آخر الأخبار

الحب.. عنوان الحضارة

تيسير السامعي

تيسير السامعي

 
شارك الخبر:

النهضة الحقيقية لا تقوم على الكراهية أو الأنانية، بل على محبة الإنسان لوطنه، ولمجتمعه، ولعمله، ولمن حوله.

ليست الحضارات العظيمة نتاج القوة وحدها، ولا ثمرة الثروة أو التقدم التقني فحسب، وإنما تبدأ من قيمة إنسانية بسيطة وعميقة هي الحب.

فالشعوب التي لا تؤمن بالحب يصعب عليها أن تبني حضارة؛ لأن الحب يولّد الدافعية، والدافعية تولّد العمل، والعمل يقود إلى الإنتاج، والإنتاج هو الأساس الذي تُشيَّد عليه الحضارات.

إن النهضة الحقيقية لا تقوم على الكراهية أو الأنانية، بل على محبة الإنسان لوطنه، ولمجتمعه، ولعمله، ولمن حوله.

ولهذا ظلت الشعوب التي تفتقد هذه القيمة بعيدة عن ركب التقدم، مهما امتلكت من إمكانات مادية.

ولو تأملنا تاريخ البشرية، لوجدنا أن العلماء الذين غيّروا وجه العالم باختراعاتهم واكتشافاتهم لم يكونوا مدفوعين بحب الشهرة وحدها، بل بحب المعرفة، والإيمان برسالة العلم، والرغبة في خدمة الإنسان وتخفيف معاناته.

والأمر نفسه ينطبق على القيادة؛ فالقائد الذي لا يحب جنوده ولا يشعر بالمسؤولية تجاههم، لن يستطيع أن يصنع منهم فريقًا منتصرًا.

كما أن الجنود لا يبذلون أقصى ما لديهم إلا عندما يثقون بقائدهم ويشعرون بإخلاصه لهم.

وكذلك الحاكم؛ فلا يستطيع أن يحقق العدل والمساواة إلا إذا أحب شعبه وأراد له الخير، كما أن المواطن يكون أكثر تعاونًا مع الدولة عندما يشعر بأن من يقودها يعمل بإخلاص من أجله. والعامل لا يبدع في عمله إلا إذا أحبه، والطبيب لا يؤدي رسالته على أكمل وجه إلا إذا امتلأ قلبه بالرحمة والإنسانية تجاه مرضاه.

ولعل كثيرًا من أزمات مجتمعاتنا تعود، في جوهرها، إلى تراجع قيمة الحب؛ فحين يغيب الحب يحضر الإهمال، وتنتشر اللامبالاة، ويضعف الضمير، وتُهدر مقدرات الأوطان، ويصبح الإنسان أقل اكتراثًا بمصالح الآخرين.

ولو أن من يعتدون على الممتلكات العامة، أو يعبثون بمصالح الناس، أو يتسببون في معاناتهم، حملوا في قلوبهم قدرًا من المحبة والانتماء، لما أقدموا على مثل هذه الأفعال. فحب الوطن وحب الناس يردع الإنسان عن الإضرار بهم قبل أن تردعه القوانين.

والمسؤول الذي يحب شعبه لا يمكن أن يتجاهل آلامه، ولا أن يطمئن إلى راحته بينما الناس الذين ائتمنوه على شؤونهم يعانون الفقر أو الحرمان أو الظلم. فالمسؤولية، في جوهرها، ليست سلطة، وإنما محبة تُترجم إلى خدمة وعطاء.

وقد جسّد النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في أسمى صوره، فكان لا يولي الإمارة لمن يحرص عليها طلبًا للسلطة، لأن القيادة تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وخدمة قبل أن تكون منصبًا.

وربّى أصحابه على حب الناس، والرحمة بهم، والسعي في قضاء حوائجهم، حتى أقاموا حضارة كان أساسها الإيمان، والعدل، والمحبة، وخدمة الإنسان.

إن الحضارة لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، بل تُبنى أولًا بالقلوب العامرة بالمحبة، وبالعقول المؤمنة برسالة العمل، وبالضمائر الحية التي ترى في خدمة الإنسان أعظم رسالة. فحين يسكن الحب القلوب، يصبح البناء ممكنًا، وتصبح النهضة واقعًا، ويغدو المستقبل أكثر إشراقًا للأمم.

المصدر: مصادر مفتوحة

تابعنا على :