آخر الأخبار

قراءة في حجز أموال الانتقالي الجنوبي المنحل

أحمد ناصر حميدان

أحمد ناصر حميدان

 
شارك الخبر:

أي حركة سياسية تعتمد بصورة كبيرة على موازين القوة والدعم الخارجي تواجه تحدياً دائماً.

إذا صحت الأنباء المتداولة بشأن صدور قرارات قضائية أو نيابية تقضي بالتحفظ على أموال وممتلكات المجلس الانتقالي الجنوبي(المنحل) أو بعض قياداته، فإن الحدث لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء مالي أو قانوني عابر، بل يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز مسألة الأموال إلى مستقبل المشروع السياسي نفسه.

لقد نشأ المجلس الانتقالي في ظروف استثنائية فرضتها الحرب والانهيار المؤسسي الذي أصاب الدولة اليمنية، واستطاع خلال سنوات قليلة أن يتحول إلى قوة سياسية وعسكرية مؤثرة في الجنوب، مستفيداً من حالة الفراغ السياسي والأمني ومن الدعم الإقليمي الذي وفر له القدرة على التمدد وفرض حضوره في المشهد.

غير أن أي حركة سياسية تعتمد بصورة كبيرة على موازين القوة والدعم الخارجي تواجه تحدياً دائماً يتمثل في كيفية تحويل نفوذها إلى شرعية مؤسسية مستقرة. 

فالقوة وحدها قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تكفي لبناء مشروعية دائمة ما لم تستند إلى مؤسسات وقوانين تحظى باعتراف واسع.

إن التحفظ على الأموال - إن تم وفق إجراءات قانونية سليمة - يوجه رسالة سياسية مهمة مفادها أن الدولة، مهما ضعفت، تظل صاحبة الحق القانوني في إدارة المال العام ومحاسبة كل من يثبت استيلاؤه على ممتلكات أو أصول عامة خارج الأطر القانونية. وفي المقابل، فإن أي إجراءات من هذا النوع تظل بحاجة إلى الشفافية والضمانات القانونية الكاملة حتى لا تتحول إلى أداة للصراع السياسي.

المشكلة الأعمق التي يكشفها هذا الحدث هي هشاشة العلاقة بين المشاريع السياسية الناشئة ومصادر تمويلها.

 فعندما ترتبط القوة السياسية بموارد استثنائية نشأت في ظروف الحرب، فإنها تصبح أكثر عرضة للاهتزاز بمجرد تغير الظروف أو تبدل التحالفات الإقليمية والدولية. 

وقد أثبتت تجارب المنطقة أن الحلفاء الخارجيين يتعاملون مع القوى المحلية بمنطق المصالح لا بمنطق الالتزام الدائم، وأن الدعم قد يتراجع أو يتوقف عندما تتغير الحسابات السياسية.

ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام المجلس الانتقالي لا يكمن فقط في مواجهة أي إجراءات قانونية أو مالية، بل في الإجابة عن سؤال أكبر: هل يستطيع التحول من مشروع قائم على موازين القوة والظروف الاستثنائية إلى مشروع سياسي قادر على المنافسة والنجاح عبر المؤسسات والدستور والانتخابات؟

كما أن هذا التطور يبعث برسالة إلى جميع القوى اليمنية دون استثناء، مفادها أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يبنى على منطق الغلبة أو الاستحواذ، وإنما على التوافق الوطني وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات السياسية ضمن إطار الدولة والقانون.

وفي النهاية، فإن مصير أي مشروع سياسي لا تحدده الأموال ولا السلاح وحدهما، بل تحدده قدرته على كسب ثقة الناس والاستمرار في خدمة مصالحهم. أما المشاريع التي تربط وجودها بظروف استثنائية أو بدعم خارجي متغير، فإنها تبقى معرضة للاهتزاز كلما تبدلت موازين القوة والمصالح. ولذلك فإن الدرس الأهم من هذه التطورات هو أن الشرعية المستدامة تُبنى داخل الوطن، لا خارجه، وتُكتسب من الناس، لا من التحالفات المؤقتة.

 

المصدر: المهرية نت

تابعنا على :