آخر الأخبار

البشوش (صيد سقطري خاص)

الاربعاء, 16 أغسطس, 2023

يتحدث كثير من الباحثين في سقطرى عن النباتات والأشجار النادرة أو الطيور وربما الحيوانات ولكنهم أغفلوا التصرفات والأفعال النادرة التي يقوم بها الشعب السقطري دون غيره من شعوب الأرض ومن هذه الأشياء صيد البشوش الذي انتشر في أغلب سواحل الأرخبيل وزادت شهرته في منطقتين أو ثلاث وما زال إلى اليوم الشباب والشيوخ يمارسون هذا النوع من الصيد.

البشاشوه بالإفراد أو البشوش بالجمع هو طائر بري بحري أكبر من الحمام وأصغر من الدجاج قليلا تكون أنثاه سوداء اللون فيها شيء من النقاط البياض في منطقة البطن ويكون الذكر أسود خالص في الغالب وهناك نوع آخر يسمى (الفرجاله) يغلب عليه البياض.

هذا الطائر بري الولادة والإيواء يتغدى من البحر ويقضي أكثر أوقاته فيه إلى حلول الظلام بعدها تعود أسرابه إلى المرتفعات الشاهقة المقابلة للبحر وتسكن الكهوف والمغارات العميقة والمظلمة وقد ذكر الصيادون أن هذا الطائر يبيض بيضة واحدة في الغالب وربما اثنتان ولا يزيد على ثلاث بيضات.

يتزاوج هذا الطائر ويضع بيضه في أواخر موسم الصيف إلى نهاية موسم الخريف وبعدها يغادرها الكهوف إلى حلول الوقت ذاته من العام المقبل وأظن أنه يسافر إلى بلدان أخرى لكن الصيادين أكدوا لي أنهم يجدون أعدادا هائلة منه في أوساط المحيط الهندي حين يرتادونه للصيد.

وتكون مغادرة أسراب البشوش من الكهوف إلى البحر في ساعات الفجر الأولى قبل حلول الفجر الصادق وتعود عند ساعات الليل الأولى ما بعد وقت المغرب بقليل وحين الرحيل يبقي البعض منها في السكن من أجل الاعتناء بالصغار وحماية البيض ويتناوب فيها الذكر والأنثى بشكل دائم على هذه الحراسة البيض إلى أن تكون الصغار قادرة على التحليق من المأوى إلى البحر والعودة وكسب قوتها بنفسها إذا استطاعت النجاة من مدية الصياد الجبلي.

اشتهر هذا النوع من الاصطياد في الشريط الجنوبي من سقطرى وزادت شهرته والاهتمام بطلبه في منطقة مطيف وما جاورها فجل الرجال هناك صيادون ماهرون.

ويكون صيد البشوش في مواسم معينة وخاصة في أواخر مايو إلى بداية نوفمبر أو عند أواخر الصيف وبداية الخريف إلى بداية الشتاء وبعدها تغادر وصغارها إلى البحر ولا تعود إلا في الوقت ذاته من العام القابل.

ولا بد لنا من الإشارة إلى كيفية الاصطياد ومتطلباته فصيد هذا النوع من أصعب أنواع الصيد وأخطرها على الإطلاق حيث يتم اصطياد البشوش أو البشوشة بتسلق المرتفعات الصخرية السيفية الحادة عبر الحبال التي تربط بأي شيء في أعلى الجبل وفي القديم كانت هذه الحبال مصنوعة من شعر الماعز أو من عسيب النخل وقد لا يجد المتسلق شيئا قريبا يربط عليه الحبل من الأعلى أو قد يكون القيد لا يكفيه مسافة طويلة لذلك يبحث عن حجرة متوسطة يستطيع حملها أو دحرجتها ويربطها في مكان قريب من الهاوية مما يعني أنها قد تتدحرج عند الشد أو لا تتحمل الثقل أو قد تدور فيفلت الحبل والمتسلق يعي هذه الخطورة كلها ولذلك لا يعتمد على الحبل بكل قوته بل يستعين بالتمسك بالصخور القريبة ويكون عاملا مساعدا.

حين يصل المتسلق إلى الكهف المقصود تواجهه صعوبات أخرى فغالبا ما تكون هذه الكهوف عميقة ومظلمة وموحشة تصدر من كل اتجاهاتها أصوات الطيور والحشرات المتنوعة وتكتسي أرضيتها وجدرانها بالوحل والأتربة الدقيقة المالحة التي لا تثبت القدم واليد عليها إلا بحذر بالغ.

لا يتجاوز عدد الصيادين الذين يرتادون المغارة للبحث عن البشوش اثنين أو ثلاثة وفي الغالب واحد وخاصة المتمرسين منهم ومن عدتهم بالإضافة إلى الحبل كشاف صغير وقديما يشعلون النار بداخل المغارة ويتوغلون إلى الداخل بواسطة جذوة من النار أو بالكشاف إن وجد ونظرا لشدة الظلمة يضعف الضوء فتبدو هذه الجذوة أو الكشاف وكأنه نقطة ضوء لا تمكن الصياد من الرؤية الجلية فلا يرى الطيور ولا يجدها إلا بالبحث عنها بيده.

ومن عدتهم أيضا سكين يذبح فيها ما أمسك به من هذه الطيور وفوطة يسمونها (شقاه) أو شال أو شيء آخر يجمع فيه المذبوحات وعود صغير وربما قرن ماعز أو أي شيء آخر يوسع بواسطته الأماكن الضيقة داخل المغارة حتى يستطيع العبور إلى الحارسة التي تحرس البيض أو الصغار والتي لا تفارق صغارها حتى يتم الإمساك بهم جميعا.

أي معاناة هذه وأي فائدة تستحق تجاوز مخاطر النزول والطلوع والسير زحفا داخل المغارات وتحمل الوحشة وجهد الحفر والدخول من الأماكن الضيقة والاتساخ بالوحل والطين والظلام الشديد والحر الشديد والرطوبة والملوحة المتجمعة التي تلطخ جسدك وثيابك وقد يدحرجك إلى الهاوية فضل عن وجود الحيات والعقارب والحشرات اللاسعة والسامة.

وسنؤجل الحديث عن هذه الفوائد إلى ما بعد الانتهاء من الحديث عن معاناة أخرى وهي معاناة تجهيز لحم البشوش وطبخها وخطورة أكلها فلا بد من نتف شعرها بالأسلوب التقليدي اليدوي أولا ومن ثم يتم شيها على الجمر حتى تخرج بقايا الشعر والإبر اللاصقة في الجلد والغشاء الجلدي الذي يغطي لحمها ومن ثم يتم شق بطون الطيور ويستخرج ما في بطنها من الأحشاء وتغسل جيدا وبعدها يتم سلقها أي طبخها بالماء المغلي لمدة لا تقل على ساعة ونصف وقد تطول إلى ساعتين حتى يتحول الماء أو المرق إلى ذهن خالص لن يستطيع شربه إلا الأصحاء وحتى يكون لحمها إسفنجيا أبيض مثل شحوم المواشي.

ومن القوانين المهمة في أكل لحوم البشوش أنه لا ينبغي الإفراط في تناوله وخاصة غير المتعودين على أكل لحومها فإذا تناول المبتدئ كمية كافية منه أو كمية مشبعة قد يتعرض للدوار والغثيان والإسهال والهذيان والكوابيس والأحلام المزعجة وربما سدت نفسه عن الطعام لمدة أيام ولذلك وجب الحذر في الأكل بنسبة لا تزيد على طير واحد أو صغيرين كحد أقصى ولا ينبغي الإفراط أيضا في شرب المرق وخاصة لغير المعتاد.

وهناك حكايات وقصص واقعية كثيرة لأشخاص داخوا وأصابهم الغثيان والدوار وآخرين لم يستطيعوا العودة إلى ديارهم وآخرين مرضوا حتى حلفوا بعدم تناول لحمها البتة ومنها ما هو قديم وما هو حديث ولا تزال عملية صيد البشوش الخاصة بالسقطري يكتنفها الغموض وتلفها المخاطر وتولد العديد من الحكايات المضحكة المبكية والبطولية في الوقت ذاته.

ومن هذه الحكايات ما رواه أحدهم فقال نزلت وأخي إلى أحد الكهوف في وسط جبل شاهق وحاد وما أن وصلنا إلى الغار غفلت في شيء ماء فطار من يدي الحبل على وصار يحلق في الهواء نراه ولا نستطيع الإمساك به حينها أيقنا بالهلاك وأطلقت صرخة المتحسر (يا يحاسب ) وهي عبارة يطلقها جل الناس في حل فات عليهم شيء مهم وحق لنا أن نطلقها فليس من أمل في العثور علينا أو نجاتنا سوى ما نقوم به من المغامرة والتي تؤدي إما إلى الحياة أو إلى الموت الحتمي كان أخي قلقا جدا يقوم بين الحين والآخر بحك رأسه بقوة وأحيانا ينزع شعره بيديه فقلت له يا أخي لن ينجينا من هنا سوى المغامرة بالقفز إلى الحبل وسوف أحاول عسى الله أن يكتب لي النجاة فإذا لم أنج عليك عهد الله ألا تقفز وألا تحزن علي وانتظر عسى أن يأتي الفرج فأنت ما زلت شابا أما أنا فقد أخذت قسطي من الحياة حاولي أخي منعي لكني أصررت وأجبرته على الاستسلام.

هيأت نفسي لخوض المغامرة وجمعت إزاري وشددته على وسطي وانتظرت الحبل حتى جاءت به الرياح في رحلته الخاطفة على باب الغار يمنة ويسرة وأحيانا إلى الأعلى وحين تحينت وقت قدومه قفزت قفزة طائر غادر وكره مذعور وشاءت الأقدار أن أوافق الحبل في رحلتي القفزية فتلقفته بيدي وجعل ينوش بي مع الرياح يمنة ويسرة ويلطمني بالجدار القريب من باب الغار أحيانا فصحت بأخي أن يترصد قدومي ويتلقف رجلي التي مددتها نحوه ويجرني إلى باب الغار وفعلا كان ما خططت له وحطيت في الغار وبيدي الحبل رجلي بقبضة أخي وبذلك كتبت لنا الحياة من جديد.

وهناك حكايات قديمة توارثها الناس منذ القدم منها أن رجلا نزل إلى أحد الكهوف ليجلب بعضا من البشوش ويعود وكان أخوه في انتظاره في الأعلى فطال انتظاره ولم يعد الأخ من الداخل ولم يسمع له صوت ولم يشعر بأي حركة فأدرك أن شيء ما اغتاله فنزل إلى باب الكهف وناداه ولكنه لم يستجب وبعد اليأس عاد الرجل إلى الأعلى وفي الصباح عمد إلى غنمه فذبحها وشوى لحمها ونزل إلى غار قريب فكان يدلي قطع اللحم المشوي على باب الغار الكبير وتأتي الثعابين فتتبع رائحة اللحم ويسوقها الرجل فتتبع حركة قطع اللحم حتى يلقي بها في الهاوية وكلما رأى ثعبانا قال: (أل يهه دودها ديتا بللهى ) والمعنى أنها ليست هذه هي الدودة التي تأكل في الليل والبعض يقول إن أخاه كان اسمه بللهى.

وهكذا استمر الرجل في قيادة الثعابين إلى الهاوية ويردد مقولته السابقة يتغنى بها حتى جاءت كبرى الثعابين فقد أغرتها رائحة اللحم المشوي وقادها الرجل حتى ألقى بها إلى الهاوية لكنها لم تصل إلى الأسفل لثقلها فقد ارتطمت بصخرة عظيمة أفقدتها الحياة ونزل الرجل إليها فشق بطنها وأخرج جثة أخيه فوجد على كافة ثيابه تتوسط خاصرته سكاكينه الثلاث بغمدها فأخذ جثته ودفنه في أعلى الجبل.

الرجال الذين سقطوا فماتوا أو كسروا أو حصلت لهم حوادث وإعاقات مروعة أو ضاعت جثتهم وتمزقت أشلاءهم فلم يجدوا لهم أثرا جراء عملية صيد البشوش الخطيرة كثر ومع ذلك لا تتوقف عملية الصيد والغريب أيضا أنهم يجدونها في البحر ولم يحاولوا اصطيادها.

الحقيقة أن ما يدعو إلى هذه المخاطر هو أنهم اكتشفوا مذاقا خاصا قلما يجدونه في غير البشوش من لحوم البر والبحر فلحمها ألذ لحم يمكن أن تتذوقه في حياتك وقد يكفيك من الغذاء ليوم كامل ومن الدواء لوقت طويل أكل واحد من صغار البشوش... سر من أسرار الطاقة والقوة والنشوة واللذة ما لو عرف به خبراء المنشطات والرياضة والقوة لخيموا تحت كهوف البشوش وطاردوها في البر والبحر وليست هذه دعوة مني للتهوين من هذه المخاطر بل على العكس من ذلك قررت ألا أشجع على ذلك وعلى ألا أكل لحمها مرة أخرى بعد المرة الوحيدة والأخيرة فقد حز في نفسي نعي زميل لي في الدارسة إثر سقوطه في رحلته للصيد.

 
هذه الطيور تتغذى على الأسماك والأحياء البحرية وأزعم أنها تنتقي ألذ الأسماك لذلك صارت لذيذة وصار لحمها من الفيتامينات المركزة ونتيجة لشدة تركيزها قد لا يتحملها بعض الناس فلا تتجاوب أجسامهم مع فيتاميناتها فتتعارض وتتحول إلى ما يشبه السم الذي يكاد أن يكون قاتل.