icons

آخر الأخبار

عدن وذكرى نوفمبر

الأحد, 27 نوفمبر, 2022

30 نوفمبر 1967م يوم جلاء آخر جندي بريطاني من عدن , نقطة مفصلية في تاريخ هذه المدينة , التي كان يشار لها بالبنان , كثاني ميناء حر عالمي ومنطقة تجارية تتوسط العالم , كمنارة ثقافية أنارت كل من حولها في الإقليمي والمنطقة , فيها نشأت أول حركة عمالية في المحيط الجغرافي , ومن رحمها تمخضت بذرة الحركة الوطنية , و تخلقت فكرة الثور والتحرر والاستقلال.


عدن رائدة التنوير بريادة محمد علي لقمان , وصحف فتاة الجزيرة والقلم العدني , منابر كتب فيها النعمان والزبيري , داعمة لثورة 48 ثم ثورتي سبتمبر وأكتوبر , هذه المدينة التي رفضت المستعمر , وبددت أحلام مشاريعه الاستعمارية , مشروع الجنوب العربي , الذي خطط له بعد رفض الإمام التعاون مع بريطانيا , باستلام المحميات وترك عدن لبريطانيا , عدن الروح الثورية التحررية التي انتشرت في كل ربوع الوطن شماله وجنوبه , فيها درس وتعلم كثيرا من المثقفين والسياسيين والذين لهم بصمات مشهودة بعد ذلك , يبقى السؤال المهم ماذا عن عدن اليوم ؟ ولماذا توقف دورها الريادي والتنويري , لتقود المشاريع الوطنية ؟!  
لم ينس المستعمر قنبلة المطار والمناضل خليفة عبدالله خليفة ورفاقة  , التي كانت عملية غير مسبوقة , واستهدفت رأس السلطة البريطانية في عدن , و كانت مفتاح الاستقلال ورحيل المستعمر , وانتقم من عدن شر انتقام , كما قال أحد الباحثين عن وثيقة بريطانية تقول ( سنأخذ السلاطين , ونسلمكم للشياطين ).
 
الشياطين هو تعبير واضح بعد أن غادر المستعمر , وتفجرت صراعات داخلية لم تتوقف حتى يومنا هذا , بتغذيه من شياطين المستعمر نفسه , بل اليوم هي أكثر تفاقما من أي وقت مضى , و بعد أن امتلك المستعمر القدرة على إدارة هذا الصراع بكل اريحية , بأدواته الإقليمية والمحلية .
 
55 عاما وعدن تعاني , ومنذ اليوم الأول لما سمي بالاستقلال , استهدفت عدن بشكل مباشر , كوادرها وأبناؤها , الذين صنفوا تصنيفات مختلفة , وتم تصفية عدن من كل الكوادر ورأس المال والشركات المتعددة الجنسيات , وتم تسريح 169 كادرا عدنيا بدون استحقاقات , تجويعهم ودفعهم لتسليم كل ممتلكاتهم والرحيل , ومن يرفض تم تصفيته , واستقبلتهم بريطانيا في مناطق قبلت العمل معها , وأنشأت بدائل في مناطق لا تمتلك مقومات عدن الجغرافية , والمعركة اليوم هي أن تبقى عدن عاجزة في سبات , محطة تستقبل القليل من المسموح , لصالح بقاء تلك المناطق , وتموين المنطقة بكل ما هو حلال وحرام , ومعظمه توالف وقمامات العالم , لتسميم المنطقة , واحتكارها للإمبريالية العالمية التي يديرها المستعمر وحلفاؤه , وبدعم تلك المناطق , وتنفيذ اغبياء الصراع في الداخل .
 
بعد رحيل بريطانيا , لم تبخل عدن وبكل ما بقى فيها من خير , في الاسهام بتشكيل الدولة الوليدة , من أنظمة إدارية ومالية , ومؤسسات كانت تعمل بشكل جيد , وكوادر صغرى سمح لها البقاء , وثقافة ووعي مجتمعي متحضر , وتعليم ومدارس وكليات , وبقت عدن منارة لم تأفل بعد , استطاعت أن تسهم في إنارة ما حولها من ظلام للعقول , ومعالجة حالة التخلف والجهل والمرض الذي كانت تعيشها تلك المناطق , وكانت عدن مفتوحه , وكانت لهم فيد , فكان غزو الريف على المدينة أكثر تأثيرا , على عدن , وبدأ تضرر عدن , وخاصة بعد تفجر الصراع بين القبائل على عدن من بداية السبعينات , وسيطرة القبيلة وتمكينها من عدن , وإلى اليوم تعيش عدن حالة من السيطرة والتمكين وغزو الريف المتخلف , الذي استطاع أن يحدث ضررا جسيما في جسد عدن الثقافي والمدني .
 
يسخر القائمون اليوم من الحديث عن الهوية العدنية , والحديث عن حقوق أبناء عدن السياسية والثقافية , و الحديث عن الحفاظ على المجتمع المدني , والتنوع الثقافي والعرقي , والتعدد السياسي , كل من يحاول الخوض في هذه القضايا يتعرض للتخوين والاتهام , و يعتبرها البعض مشاريع مناطقية .
 
لا يستوعب هؤلاء أن الحديث عن  الهوية العدنية , هو الحديث عن فكر وثقافة ونمط سلوكي حضاري وأخلاقي , يجب أن يسود في مواجهة حالة التخلف التي تنتشر اليوم , وحالة سقوط قيم وأخلاقيات مجتمع ينهار , و وطن يختطف من قبل جماعات قبلية متخلفة , لا يمكن أن تعيش دون ان تبث فتن الكراهية والعنصرية , تستمع العيش في ظلام العقول واستلابها , وهي تستهدف عدن كنور ومنارة , كفكر وثقافة , كروح ثورية تحررية لن تقبل الخضوع والاستسلام .
 
ستبقى عدن لقمة الخانوق للمشاريع الاستعمارية , المشاريع الفئوية المتخلفة , مشاريع الوصاية والتبعية والارتهان , تقاوم وتنتصر لمشروع الأمة , لفكرة الدولة والتحضر والتطور والنهوض , والله الموفق .
 
المقال خاص بالمهرية نت