آخر الأخبار

الوساطة العُمانية في اليمن: دبلوماسية هادئة في بحر عاصف

محمد الصالحين الهوني

محمد الصالحين الهوني

 
شارك الخبر:

منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2014، ظل ملف الأسرى والمحتجزين أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، ليس فقط لأنه يمس حياة آلاف الأفراد وأسرهم، بل لأنه يعكس عمق الانقس...

منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2014، ظل ملف الأسرى والمحتجزين أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، ليس فقط لأنه يمس حياة آلاف الأفراد وأسرهم، بل لأنه يعكس عمق الانقسام السياسي والاجتماعي الذي مزّق البلاد. في هذا السياق، شكّل الإعلان الأخير عن اتفاق واسع لتبادل الأسرى بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليّا وجماعة الحوثي، برعاية سلطنة عمان، حدثًا مفصليّا يستحق التوقف عنده. فالاتفاق الذي يشمل إطلاق سراح آلاف الأسرى من مختلف الأطراف، يمثل خرقًا إنسانيّا مهمّا، لكنه أيضًا يفتح الباب أمام قراءة أوسع لدور الوساطة العُمانية في إدارة النزاعات الإقليمية، وإمكاناتها في إعادة تحريك مسار السلام اليمني المتعثر.

الحرب اليمنية الممتدة منذ أكثر من عقد، والتي بدأت بسيطرة الحوثيين على صنعاء في أيلول – سبتمبر 2014، أفرزت مشهدًا معقدًا من التحالفات الإقليمية والانقسامات الداخلية. ورغم تعدد المبادرات الدولية، من اتفاق ستوكهولم عام 2018 إلى صفقات تبادل الأسرى في سويسرا عام 2023، ظل التقدم محدودًا، وغالبًا ما اقتصر على خطوات إنسانية جزئية لم تُترجم إلى اختراق سياسي شامل. في هذا الإطار، يبرز الدور العُماني كعامل مغاير، إذ استطاعت مسقط أن تحافظ على موقعها كوسيط محايد، بعيدًا عن الاستقطابات الإقليمية التي عمّقت الأزمة.

نجاح الوساطة العُمانية في هذا الملف قد يفتح الباب أمام دور أكبر لمسقط في ملفات أكثر تعقيدًا مثل ترتيبات وقف إطلاق النار أو الحوار حول مستقبل الدولة اليمنية.

تتمتع سلطنة عمان بخبرة طويلة في الوساطة، سواء في ملفات إقليمية معقدة كالعلاقات الإيرانية – الأميركية أو في النزاعات الخليجية الداخلية، إلى جانب سمعتها كدولة تتبنى سياسة خارجية قائمة على ما يمكن تسميته “الدبلوماسية الهادئة”، والحوار السري وبناء الثقة بعيدًا عن الأضواء الإعلامية والاستقطابات الإقليمية. وتستمد عُمان قدرتها على الوساطة من موقعها الجغرافي الفريد، المجاور لليمن، ومن سياستها الخارجية المستقلة القائمة على الحياد وعدم الانحياز للتحالفات الإقليمية المتصارعة.

وتتميز الوساطة العُمانية بمرونة منهجية تسمح لها بالتعامل مع تعقيدات المشهد اليمني، حيث تتعامل مع أطراف متعددة داخلية وخارجية. وقد نجحت مسقط في تحويل نفسها إلى قناة اتصال موثوقة بين الجماعة الحوثية والمملكة العربية السعودية وبين القوى اليمنية المختلفة، مما أهّلها للعب دور حاسم في ملف الأسرى. هذا النهج يعكس فلسفة عُمانية تقوم على مفهوم “القوة الناعمة” في العلاقات الدولية، حيث تؤثر الدول الصغيرة من خلال الوساطة والحياد لا من خلال القوة العسكرية أو الاقتصادية.

آلاف العائلات اليمنية ستستعيد أبناءها بعد سنوات من الفقد والانتظار، وهو ما يخفف من معاناة إنسانية ممتدة. كما أن إطلاق سراح أسرى من مختلف الأطراف، بينهم سعوديون وسودانيون، يعكس شمولية الصفقة ويعزز بعدها الإقليمي. هذا البعد الإنساني يكتسب أهمية مضاعفة في ظل الحرب التي خلفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج أكثر من 20 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية وفق تقارير الأمم المتحدة.

رغم أن الاتفاق يندرج في إطار إنساني، إلا أن له دلالات سياسية لا يمكن إغفالها. فهو يعكس استعداد الأطراف، ولو جزئيّا، للانخراط في إجراءات بناء الثقة، وهو ما يشكل شرطًا أساسيّا لأي عملية سلام. كما أن نجاح الوساطة العُمانية في هذا الملف قد يفتح الباب أمام دور أكبر لمسقط في ملفات أكثر تعقيدًا، مثل ترتيبات وقف إطلاق النار أو الحوار حول مستقبل الدولة اليمنية. هنا يمكن القول إن الاتفاق يمثل “اختبارًا” لإمكانية تحويل الإنجازات الإنسانية إلى أرضية سياسية.

مع ذلك، لا ينبغي المبالغة في التفاؤل. فالتجارب السابقة أظهرت أن تنفيذ اتفاقات تبادل الأسرى كثيرًا ما يواجه عقبات، سواء بسبب الخلافات حول القوائم أو بسبب توظيف الملف كورقة ضغط سياسية. كما أن استمرار الانقسامات الداخلية، خصوصًا في الجنوب حيث تتصاعد المخاوف من تقسيم البلاد، يهدد بعرقلة أي مسار شامل. إضافة إلى ذلك، فإن نجاح الاتفاق يتطلب دعمًا إقليميّا ودوليّا منسقًا، حتى لا يبقى إنجازًا معزولًا عن السياق الأوسع للأزمة اليمنية.

من منظور أكاديمي، تمثل الوساطة العُمانية حالة جديرة بالدراسة في مجال إدارة النزاعات. فهي تؤكد أن الدول الصغيرة يمكن أن تلعب أدوارًا محورية في القضايا الإقليمية، ليس عبر القوة الصلبة، بل عبر بناء الثقة وتبني الحياد. كما أن التجربة العُمانية تعكس مفهوم “الدبلوماسية الوقائية”، حيث يتم التركيز على الملفات الإنسانية كمدخل لتخفيف التوتر وفتح قنوات للحوار السياسي. هذا النموذج يختلف عن الوساطات التقليدية التي غالبًا ما تركز على القضايا السياسية الكبرى، ويثبت أن معالجة الملفات الإنسانية يمكن أن تكون خطوة إستراتيجية نحو السلام.

في المحصلة، يمثل الاتفاق الأخير على تبادل الأسرى في اليمن، برعاية عمان، خرقًا إنسانيّا مهمّا يخفف من معاناة آلاف الأسر، لكنه أيضًا يحمل دلالات سياسية أوسع. نجاحه يعكس قدرة الوساطة العُمانية على لعب دور محوري في إدارة النزاعات، ويؤكد أن الحياد والدبلوماسية الهادئة يمكن أن يكونا أداتين فعالتين في بيئة إقليمية مشحونة. ومع ذلك، فإن تحويل هذا الإنجاز إلى نقطة انطلاق لمسار سلام شامل يتطلب إرادة سياسية من الأطراف اليمنية، ودعمًا إقليميّا ودوليّا متواصلًا.

إن الوساطة العُمانية في اليمن درس حضاري في كيفية إدارة النزاعات عبر بناء الثقة والتركيز على البعد الإنساني وتجنب الاستقطاب. وإذا تم البناء على هذا الإنجاز، فقد يشكل خطوة أولى نحو إعادة اليمن إلى رحاب الحرية بعد ضيق الأسر، وإلى مسار سياسي يعيد للدولة وحدتها وللمجتمع أمله في السلام.
تابعنا على :