تداعيات فوز زهران ممداني على النفوذ الصهيوني في واشنطن

خالد عقلان
زلزال انتخابي في أمريكا بعد فوز زهران ممداني في الانتخابات بولاية نيويورك والذي يعد حدثا سياسيا ذا دلالة تتجاوز المشهد الانتخابي الأمريكي التقليدي، إذ لا يتعلق ...
فوز ممداني كشف أن القاعدة الذهبية التي طالما فرضها هذا اللوبي بدأت تتآكل فعلاً، ويمكن تلخيص التحول في النقاط التالية:
أولًا: كسر القاعدة الذهبية للوبي الصهيوني، فمنذ عقود، كانت القاعدة غير المعلنة التي تُوجِّه المشهد السياسي الأمريكي تقول: "لا يمكن لأي مرشح أن ينجح دون دعم إيباك، أو على الأقل دون عدائها."
لكن ممداني، ابن الجالية المهاجرة وصوت الأقليات المهمشة، أثبت أن تلك القاعدة ليست قدرًا مقدسًا، فقد فاز رغم أن إيباك حاربت حملته بشكل مباشر وغير مباشر، معتمدا على تعبئة الطاقة الشعبية في مجتمعه، واستنهاض وعي الشباب التقدميين والأصوات المناصرة للعدالة التي سئمت من تحكم المال السياسي في ضمائر الساسة الأمريكيين.
لقد فاز بمجهود الناس لا بأموال اللوبي، وبقوة الموقف لا بصفقات النفوذ.
ثانيًا: انتصار الخطاب الأخلاقي
ما يُميز فوز ممداني أنه جاء برسالة صريحة وجريئة تجاه فلسطين، في وقت ما زالت فيه النخبة الأمريكية تُفضّل الصمت أو التورية عند الحديث عن جرائم الاحتلال في غزة، غير أن ممداني رفع شعارا غير مسبوق في السياسة الأمريكية: "العدالة لفلسطين ليست تهمة."
هذا الموقف الأخلاقي في ذاته يمثل تحديا صريحا لسطوة اللوبي الإسرائيلي الذي نجح لعقود في جعل أي تعاطف مع الفلسطينيين بمثابة انتحار سياسي، وقد لاقى موقفه صدى واسعا بين دوائر الشباب والناشطين الحقوقيين، الذين وجدوا فيه نموذجا نادرا لسياسي أمريكي يتحدث بضمير، لا بمقياس المصلحة الانتخابية.
ثالثًا: تحوّل في المزاج الشعبي
فوز ممداني لا يمكن فصله عن التحول المتسارع في المزاج الشعبي الأمريكي، خصوصا بين الجيل الجديد من الناخبين، وهو جيل بات أكثر وعيا بتناقض الخطاب الأمريكي الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان بينما يبرر ويدعم الإبادة الجماعية في غزة.
هذا الجيل يرى في ممداني رمزا للصدق الأخلاقي والجرأة السياسية، ويعتبره جزءا من حركة أوسع تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة واللوبيات الامر الذي سيحدث انقلابا جذريا في عمق المجتمع الأمريكي.
رابعًا: خطاب الفوز... تحدٍّ صريح لترامب
في كلمة النصر التي ألقاها بعد إعلان فوزه، لم يكتفِ ممداني بشكر مؤيديه، بل أرسل رسالة حادة إلى التيار اليميني في الولايات المتحدة، وعلى رأسه الرئيس دونالد ترامب.
بهذا الخطاب، دخل ممداني في مواجهة فكرية مباشرة مع ترامب ومع الخطاب الشعبوي اليميني الذي يحاول تصوير دعم إسرائيل كاختبار للولاء الوطني الأمريكي.
تصريحه هذا أشعل جدلاً واسعًا في أوساط الحزب الجمهوري، وأعاد إلى الواجهة الخلافات داخل معسكر اليمين الأمريكي بين من يرى أن الولاء لإسرائيل ركيزة لا تمسّ، وبين تيارٍ محافظ ناشئ بدأ يشكك في كلفة هذا التحالف غير المتوازن على المصالح الأمريكية ذاتها.
خامسًا: الارتباك داخل اللوبي الإسرائيلي
فوز ممداني لم يكن مجرد خسارة ولاية نيويورك رغم أهميتها ومركزتها بالنسبة للوبي الصهيوني، بل هزيمة استراتيجية ومعنوية، فقد كشف فوز ممداني أن النفوذ المالي لم يعد العامل الحاسم الوحيد في الانتخابات، وأن القواعد الشعبية قادرة على تحطيم الجدار الحديدي الذي بناه اللوبي عبر نصف قرن من التحكم في التمويل والإعلام والسمعة السياسية.
هذا التطور أجبر إيباك على إعادة تقييم أدواتها، وربما تغيير أسلوبها العدواني في مهاجمة المرشحين المؤيدين لحقوق الفلسطينيين، خوفا من أن تنقلب حملات التشويه إلى تعاطفٍ جماهيري مع المستهدفين.
سادسا: تداعيات مستقبلية
قد لا يُغيّر فوز ممداني موازين القوى داخل الكونغرس غدا، لكنه يؤسس لتحوّل ثقافي وسياسي طويل الأمد، فهو يفتح الباب أمام جيل جديد من السياسيين الأمريكيين الذين يؤمنون بأن الاستقلال عن اللوبيات لا يعني الهزيمة، بل هو انتصار للقيم والأخلاق والشفافية.
كما يُعدّ مؤشراً على أن التحولات داخل المجتمع الأمريكي باتت أعمق مما تدركه النخبة التقليدية في واشنطن، وأنّ الجيل القادم من القادة الديمقراطيين والتقدميين قد يضع حدًا لابتزاز اللوبي الإسرائيلي الذي حوّل دعم الاحتلال إلى معيار للولاء السياسي.
هكذا أصبح فوز زهران ممداني بشكل نقطة انعطاف في مسار النفوذ الصهيوني داخل أمريكا، بل وبداية تآكل الهيمنة النفسية والمالية للوبي الصهيوني، وبروز ضمير سياسي جديد يُعيد الاعتبار لقيم العدالة والكرامة والإنسانية، وفي القلب منها قضية فلسطين.
وربما يسجَّل هذا الحدث في التاريخ بوصفه اللحظة التي بدأ فيها الأمريكيون، وللمرة الأولى منذ عقود، يتحررون من الخوف من اللوبي الصهيوني ويصوتون لما تمليه ضمائرهم لا ما تمليه موازنات اللوبي الصهيوني.


