هل تُصلِح الرياضة ما أفسدته السياسة؟
عبدالسلام قائد
يروي هذا المقال قصة "دبلوماسية البينغ بونغ"، التي تحولت فيها مصافحة عفوية بين لاعبي كرة طاولة من الصين والولايات المتحدة إلى شرارة أنهت سنوات من القطيعة بين البلدين، ومهدت لواحدة من أهم التحولات السياسية في القرن العشرين.
من أطرف ما قرأت في كتب التاريخ والعلاقات الدولية أن خطأ بسيطا ارتكبه لاعب كرة طاولة، عندما صعد إلى حافلة منتخب لا ينتمي إليه، كان كفيلا بتغيير مسار العلاقة بين أكبر قوتين في العالم، الصين والولايات المتحدة الأمريكية، بل وأسهم في قلب موازين الحرب الباردة وإعادة رسم جانب مهم من خريطة السياسة الدولية.
فما بدا لحظة عابرة لا تستحق التوقف عندها، تحول إلى واحدة من أشهر الوقائع الدبلوماسية في القرن العشرين، حتى دخل التاريخ باسم "دبلوماسية البينغ بونغ"، في قصة تؤكد أن الرياضة قد تنجح أحيانا في فتح الأبواب التي تعجز السياسة عن طرقها، وأن مصافحة بين رياضييْن قد تمهد الطريق للقاء بين زعيمين، وتكتب فصلا جديدا في تاريخ العالم.
ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت العلاقات بين واشنطن وبكين في أسوأ حالاتها، وكان تدهورها قد بدأ منذ انتصار الثورة الشيوعية بقيادة ماو تسي تونغ عام 1949م، بعدما قطعت الولايات المتحدة علاقاتها مع الصين الشعبية، ورفضت الاعتراف بحكومتها، وظل البلدان خصمين لدودين في خضم الحرب الباردة، عندما انقسم العالم إلى معسكرين متنافسين.
لكن في عام 1971م، وخلال بطولة العالم لكرة الطاولة التي أقيمت في مدينة ناغويا اليابانية، وقع حدث بدا في ظاهره عاديا، لكنه غيّر مسار العلاقات الدولية. فقد أخطأ اللاعب الأمريكي غلين كوان طريقه وصعد إلى حافلة المنتخب الصيني، في وقت كان مجرد التواصل بين مواطني البلدين أمرا نادرا للغاية.
وفي داخل الحافلة، كسر بطل الصين تشوانغ تسه دونغ حاجز الصمت، فتقدم نحو اللاعب الأمريكي وصافحه بحرارة، ثم قدم له هدية رمزية عبارة عن لوحة حريرية تحمل منظرا طبيعيا صينيا، وقد التقطت عدسات المصورين تلك اللحظة، وسرعان ما تصدرت صور المصافحة والهدية الصحف العالمية، لتتحول إلى رسالة سياسية غير معلنة بأن الجدار الفاصل بين البلدين بدأ يتصدع.
لم تمضِ سوى أيام قليلة حتى أعلنت الحكومة الصينية دعوة رسمية لمنتخب الولايات المتحدة لكرة الطاولة لزيارة الصين، في خطوة غير مسبوقة، ليصبح أول وفد أمريكي تطأ أقدامه الأراضي الصينية منذ أكثر من عشرين عاما.
تحولت تلك الزيارة (الرياضية) إلى جولة دبلوماسية بكل معنى الكلمة، حيث زار اللاعبون سور الصين العظيم والقصر الإمبراطوري المعروف بـ"المدينة المحرمة"، والتقوا كبار المسؤولين، واستقبلهم رئيس الوزراء تشو إن لاي، الذي أكد أن الرياضة يمكن أن تكون جسرا للتفاهم بين الشعوب.
لكن ما كان يجري أمام عدسات الكاميرات لم يكن سوى مقدمة لتحرك سياسي أكبر يجري خلف الكواليس، فقد استغلت الحكومتان هذا المناخ الإيجابي لفتح قنوات اتصال سرية، وفي يوليو 1971م زار مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر العاصمة الصينية بكين بشكل سري، مما مهد الطريق لأهم زيارة سياسية في القرن العشرين.
وفي فبراير 1972م، حط الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في العاصمة الصينية، ليصبح أول رئيس أمريكي يزور الصين الشعبية، ويلتقي الزعيم ماو تسي تونغ، وشكلت تلك الزيارة منعطفا مهما في الحرب الباردة، وأعادت رسم التوازنات الدولية، خصوصا في ظل تصاعد الخلاف بين الصين والاتحاد السوفياتي.
لقد كانت دوافع الطرفين واضحة، وإن لم تُعلن بصراحة آنذاك. فالصين كانت تبحث عن كسر عزلتها الدولية ومواجهة الضغوط السوفياتية المتزايدة، بينما رأت الولايات المتحدة أن التقارب مع بكين يمنحها ورقة إستراتيجية في مواجهة موسكو، ويساعدها في إدارة ملفات دولية معقدة، وفي مقدمتها حرب فيتنام.
وهكذا تحولت كرة الطاولة من كونها مجرد لعبة إلى أداة دبلوماسية غيّرت مجرى التاريخ المعاصر، ومنذ ذلك الحين دخل المصطلح الشهير "دبلوماسية البينغ بونغ" إلى كتب السياسة والعلاقات الدولية، باعتباره نموذجا فريدا على قدرة الرياضة على فتح الأبواب التي أغلقتها السياسة، وتحولها إلى لغة سلام تعيد رسم خريطة العالم.
المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك

