آخر الأخبار

معركتنا الحقيقية ليست: من يحكم الشمال ومن يحكم الجنوب؟

أحمد ناصر حميدان

أحمد ناصر حميدان

 
شارك الخبر:

هل معركتنا هي استعادة الدولة الوطنية التي انهارت أمام أعيننا؟ دولة العدالة والحرية والمواطنة المتساوية، أم أن طموحنا تقلص إلى مجرد أن يحكمنا من ينتمي إلى منطقتنا أو جماعتنا، بصرف النظر عن عدله أو فساده أو استبداده؟

هناك سؤال أعتقد أنه أصبح من الضروري أن نواجه أنفسنا به دون مواربة: هل ما زلنا نعرف ماذا نريد؟

هل معركتنا هي استعادة الدولة الوطنية التي انهارت أمام أعيننا؟ دولة العدالة والحرية والمواطنة المتساوية، أم أن طموحنا تقلص إلى مجرد أن يحكمنا من ينتمي إلى منطقتنا أو جماعتنا، بصرف النظر عن عدله أو فساده أو استبداده؟

عندما قامت الوحدة، كان هناك حلم بدولة جديدة. كان الجنوبيون يأملون أن تكون الوحدة مدخلًا إلى دولة وطنية حديثة، وكان المواطن في الشمال يتطلع إلى ما يمكن أن يقدمه الجنوب من تجربة مدنية ومؤسساتية أفضل. لكن القوى التقليدية التي كانت تسيطر على السلطة أجهضت ذلك الحلم، وحولت الوحدة من مشروع لبناء الدولة إلى وسيلة لتوسيع النفوذ والسيطرة.

واليوم، بدلًا من أن نتمسك بالحلم الأصلي، بدأنا نرى شيئًا أكثر خطورة.

في الجنوب يقول البعض: جنوبي يحكمنا أفضل من شمالي، حتى لو كان فاسدًا أو مستبدًا.

وفي الشمال يقول البعض: فليحكمنا الحوثي، المهم أن تستمر الحياة.

وهنا علينا أن نتوقف.

هل هذه هي النتيجة التي نريد الوصول إليها؟

هل أصبح معيار الحكم هو هوية الحاكم، لا عدله؟ هل أصبح المهم أن يكون الحاكم جنوبيًا أو شماليًا، لا أن يكون مؤمنًا بالدولة والقانون والمواطنة؟

إذا وصلنا إلى هذه المرحلة، فنحن لا نبني دولة، وإنما نعيد إنتاج الاستبداد بأسماء ورايات مختلفة.

ومن يعتقد أن الحوثي سيحكم الشمال ويترك الجنوب لمن يريد، فهو لا يفهم طبيعة المشروع الذي يواجهه. فالمشاريع العقائدية لا تتوقف عند حدود جغرافية إذا كانت ترى أن لها مشروعًا فكريًا وسياسيًا يتوجب نشره وحمايته وتوسيع نفوذه.

لكن المشكلة الأخرى لا تقل خطورة.

لقد جعلت سنوات القهر والظلم بعض الجنوبيين يصلون إلى قناعة مؤلمة: المهم أن يحكمنا جنوبي، حتى لو ظلمنا.

وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع.

فالإنسان الذي عاش القهر طويلًا قد يصل إلى مرحلة لا يبحث فيها عن الأفضل، وإنما عن أي شيء يعتقد أنه سيخرجه من قهره السابق، فيقبل بقهر جديد لأنه يحمل عنوانًا مختلفًا.

وهنا تتحول المظلومية من قضية للانتصار للعدالة إلى مبرر لقبول الظلم.

نحن بحاجة إلى أن نستعيد معاييرنا قبل أن نتحدث عن استعادة الدولة.

نريد دولة لا يكون فيها الشمالي أفضل من الجنوبي، ولا الجنوبي أفضل من الشمالي. نريد دولة لا يكون فيها ابن القبيلة أفضل من ابن المدينة، ولا صاحب النفوذ أفضل من المواطن البسيط.

نريد دولة يكون فيها القانون هو الأعلى، والمواطنة هي المعيار، والعدالة هي الحكم، والمؤسسات هي صاحبة القرار.

أما أن نستبدل سلطة فاسدة بسلطة فاسدة، أو مستبدًا بمستبد، ثم نفرح لأنه من منطقتنا، فهذه ليست استعادة للدولة.

هذه فقط إعادة توزيع للسلطة.

ولذلك يجب أن تكون معركتنا واضحة:

لسنا في معركة من أجل أن يحكم الجنوبي الجنوب لمجرد أنه جنوبي، ولا من أجل أن يحكم الحوثي الشمال لمجرد أنه استطاع السيطرة عليه.

نحن في معركة من أجل دولة وطنية تحمي الجميع.

ومن لا يضع الدولة والحرية والعدالة والمواطنة في مقدمة مشروعه، فعليه أن يعيد التفكير في معنى المعركة التي يخوضها.

فقد نخسر وطنًا ونربح سلطة، ثم نكتشف بعد سنوات أننا لم نستعد الدولة، وإنما استبدلنا قاهرًا بقاهر آخر.

المصدر: المهرية نت

تابعنا على :