قاعدة إعلامية عظيمة

تيسير السامعي
مقال يتناول أهمية التروي والتحقق في نقل المعلومات والأخبار، في ظل واقع حافل بالأحداث والتضليل الإعلامي.
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
هذه الآية الكريمة قاعدةٌ إعلاميةٌ عظيمةٌ تعطينا ميزانًا دقيقًا يضبط الفوضى الإعلامية التي يعيشها العالم بسبب الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي.
إنها ليست توجيهًا بعدم الكذب فقط، بل هي منهج متكامل في التفكير والحكم على الأشياء ونقل الأخبار. فالله سبحانه وتعالى ينهى الإنسان عن اتباع ما لا يعلم حقيقته، وعن بناء المواقف والأحكام على الظنون والشائعات والأوهام.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت هذه الآية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فكثير من الناس يقرأ خبرًا أو يشاهد صورة أو مقطع فيديو، ثم يسارع إلى نشره دون أن يتأكد من صحته، فيتحول من متلقٍ للخبر إلى شريك في نشر الكذب أو التضليل، وربما الإضرار بالناس والمجتمعات.
إن المسؤولية لا تقع على من اخترع الكذبة وحده، بل تشمل كل من ساهم في تداولها ونشرها. فالنقر على زر "مشاركة" قد يبدو عملاً بسيطًا، لكنه أمام الله شهادة على صحة ما تنقله للآخرين. ولذلك كان الواجب التثبت والتحقق قبل النشر، والسؤال عن المصدر، ومقارنة المعلومات، والتأكد من صحتها.
ولا يقتصر معنى الآية على الأخبار فقط، بل يشمل الأحكام على الأشخاص والجماعات، ونقل الاتهامات، وترويج الإشاعات، وإصدار الآراء دون علم أو معرفة. فكم من إنسان ظُلِم بسبب كلمة نُشرت دون دليل، وكم من فتنة اشتعلت بسبب خبر كاذب، وكم من علاقات وأسر ومجتمعات تضررت بسبب التسرع في نقل المعلومات.
إن السمع والبصر والفؤاد أدوات للمعرفة، لكنها أيضًا موضع مسؤولية ومحاسبة. فما نسمعه ليس بالضرورة صحيحًا، وما نراه قد يكون مضللًا أو خارج سياقه، وما نعتقده في قلوبنا يحتاج إلى دليل وبرهان. ولهذا ربط الله بين هذه الأدوات وبين المساءلة يوم القيامة.
ومن هنا فإن المؤمن الصادق لا يسأل نفسه: "هل الخبر مثير؟" أو "هل يوافق رأيي؟"، بل يسأل أولًا: "هل هو صحيح؟ وهل أملك دليلًا على صحته؟". فإذا لم يتأكد أمسك لسانه وقلمه، لأن السكوت عن المجهول خير من نشر الباطل.
وفي زمن تدفقت فيه المعلومات بلا حدود، أصبحت الحكمة ليست في سرعة النشر، بل في دقة التحقق، وأصبحت الأمانة ليست في نقل كل ما نسمع، بل في التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين العلم والظن. وهذا هو المعنى العميق لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
المصدر: المهرية نت

