سقطرى وقصة القات

أحمد الرميلي
ثمة مكان في هذا العالم لم تُخلق أرضه إلا لتكون قصيدة، ولا شُيّدت جباله إلا لتكون حارساً للدهشة؛ تلك هي سقطرى. جزيرةٌ تُبحرُ في أزرق البحر العربيّ والمحيط الهندي، كأنها قطعةٌ من الجنة نسيتها الأرض، تزينها أشجار "دم الأخوين" المسافرة في عمق التاريخ، ويغلفها
ثمة مكان في هذا العالم لم تُخلق أرضه إلا لتكون قصيدة، ولا شُيّدت جباله إلا لتكون حارساً للدهشة؛ تلك هي سقطرى. جزيرةٌ تُبحرُ في أزرق البحر العربيّ والمحيط الهندي، كأنها قطعةٌ من الجنة نسيتها الأرض، تزينها أشجار "دم الأخوين" المسافرة في عمق التاريخ، ويغلفها صمتٌ متفردٌ لا يخدشه إلا هدير الموج ووشوشة الريح.
غير أن الأساطير، حين تصطدم بواقع الإدارة وعواصف السياسة، قد تنزف.
عندما صعد رأفت الثقلي سدّة الحكم الإداري في الجزيرة، وحمل في يده قراراً يقضي بمنع "القات"—تلك النبتة الخضراء التي طالما طاردت حلم اليمنيين وأنهكت أوقاتهم واقتصادهم—بدا الأمر وكأنه فجرٌ جديد؛ صرخة شجاعة تطمح لنزع غبار النبتة الشيطانية عن ثوب الفردوس العذراء. استبشر الحالمون، ونظر العقلاء إلى القرار بوصفه درعاً حامياً لجمال الجزيرة وهدوء أرواح أبنائها.
لكن القرارات الكبيرة—في دراما الواقع—لا تتغذى على حبر الورق، بل على حزم الميدان وهيبة السلطة.
سرعان ما انكسرت موجة القرار على صخرة العجز عن حمايته. وكما يحدث دائماً عندما تسُدّ الأبواب الرسمية دون أن تُبنى أسوارٌ متينة؛ فتحت الأسطورة خرم حائطٍ للمهربين. تحول القرار الناصع إلى ظلال خفية، وتحول القات من تجارة تُمارَس تحت شمس النهار إلى شيطانٍ يُهرّب عبر الأزقة، ويُتسلل به تحت سُتُرة الليل وبقايا رذاذ البحر.
لم تعد القصة قصة نبتة تدخل أو تُمنع، بل أضحت حكاية عن الهيبة التي انتُزعت.
مع التدفق العشوائي للقات بأساليب تشبه الجريمة المنظمة، ولدت من رحم العجز ظاهرةٌ أشد قسوة وخطراً على عُرف الجزيرة وسلامها الإنساني؛ ظهور الجماعات المسلحة. رجالٌ يحملون السلاح لا لحماية أرضهم أو صون شرف آرائهم، بل لحماية "شحنة خضراء"، لتتحول شوارع الجزيرة الوديعة إلى مسرحٍ لاستعراض القوة، ولتتحول النبتة إلى حارسٍ مدججٍ بالرصاص.
لقد دفعت سقطرى ثمن الحلم المتسرع: قرارٌ بلا مخالب، أورث بدلاً من النظام فوضى، وبدلاً من نقاء الهواء غبار السلاح وزئير المحركات المشبوهة.
إن أخطر ما يواجه الحاكم ليس أن يترك الواقع على حاله، بل أن يطلق سيف القرار ثم ينسى كيف يحميه؛ فالحازم لا يقطع الشجرة إلا إذا كان يملك قوة منع جذورها من النمو مجدداً.
تبقى سقطرى اليوم تئن في صمت، تتطلع إلى أبنائها وإلى حكامها، تنتظر يداً تشفي جراح قرارٍ أراد لها الطهر، فأغرقها في دنس الفوضى.
المصدر: نقلاً عن صفحته في فيسبوك


