تعز وعدن.. توأم الجمهورية والمدنية

أحمد ناصر حميدان
تعز اليوم لا تدافع عن نفسها وحدها. حين تقاوم تعز مشروع الحوثيين، فهي تقاوم من أجل اليمن الذي عرفته الأجيال بوصفه وطنا للجمهورية والثورة والمدنية والتعدد والمواطنة، لا وطنا تحكمه جماعة بقوة السلاح ومنطق الغلبة.
تعز اليوم لا تدافع عن نفسها وحدها. حين تقاوم تعز مشروع الحوثيين، فهي تقاوم من أجل اليمن الذي عرفته الأجيال بوصفه وطنا للجمهورية والثورة والمدنية والتعدد والمواطنة، لا وطنا تحكمه جماعة بقوة السلاح ومنطق الغلبة.
ولذلك فإن معركة تعز ليست معركة جغرافيا محلية، كما أن صمودها لا يمكن قراءته بمعزل عن عدن. فمنذ اندلاع الحرب، ارتبط موقع تعز الاستراتيجي بمسار الصراع على الجنوب، وكانت السيطرة عليها تعني فتح الطريق باتجاه الساحل والجنوب، فيما ظلت عدن إحدى أهم ساحات المواجهة. وقد وثقت الأمم المتحدة في عام 2015 تقدم الحوثيين في تعز بالتزامن مع تقدمهم باتجاه عدن.
تعز، بهذا المعنى، كانت وما زالت جدارا بشريا وجغرافيا في مواجهة مشروع يريد فرض إرادته على اليمنيين بالقوة. وليس غريبا أن تعود جبهات تعز إلى واجهة التصعيد مع تجدد القتال في سبتمبر وأكتوبر 2026، وأن توصف السيطرة عليها بأنها ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة إلى خطوط الاتصال بين الشمال والساحل والجنوب.
لكن القضية أعمق من الحساب العسكري.
تعز مدينة عرفت التعليم والثقافة والعمل السياسي والنقابي، وارتبط اسمها بالحركة الوطنية والجمهورية. ولذلك فإن الصراع حولها يحمل بعدا سياسيا ومدنيا واضحا: هل يكون اليمن دولة تقوم على المواطنة والتعدد والحقوق والمؤسسات، أم تتحول الدولة إلى سلطة تفرضها جماعة تمتلك السلاح وتطالب الآخرين بالخضوع لها؟
ومن هنا يمكن فهم لماذا كانت تعز هدفا للحصار والقصف طوال سنوات الحرب. فقد وثقت الأمم المتحدة مرارا تعرض أحياء تعز السكنية للقصف والهجمات، كما أشارت تقارير حقوقية إلى استمرار الحصار وما ترتب عليه من آثار إنسانية واسعة.
إن تعز التي تقاوم اليوم ليست في مواجهة مذهب أو منطقة أو أبناء شمال، كما ينبغي ألا تتحول معركتها إلى كراهية جغرافية. معركتها، في جوهرها، مع منطق الغلبة والاستبداد واحتكار القوة وفرض الوصاية على المجتمع، أيا كان مصدر هذا المنطق وأيا كانت الجهة التي تمارسه.
وهنا تلتقي تعز مع عدن.
فعدن، بما تمثله من تاريخ مدني وانفتاح ثقافي وتنوع اجتماعي، تواجه بدورها كل مشروع يريد إخضاعها لمنطق القوة أو تحويلها إلى مساحة نفوذ مغلقة. وتعز، بتاريخها الوطني والثقافي وموقعها الجغرافي، تقف في الخندق نفسه.
لهذا فإن تعز وعدن توأمتان في الدفاع عن فكرة أوسع من حدود المدينتين: فكرة الدولة.
الدولة التي لا يحكمها السلاح، ولا يمنح فيها الانتماء الجغرافي أو المذهبي أو القبلي امتيازا سياسيا. الدولة التي يكون فيها المواطن مواطنا قبل أن يكون شماليا أو جنوبيا، تعزيا أو عدنيا، وأن تكون الجمهورية والمؤسسات والقانون هي المرجعية، لا القوة المسلحة.
وإذا كان الحوثيون قد جعلوا من السلاح وسيلة لفرض مشروعهم، فإن التجربة اليمنية تقول إن الخطر لا ينحصر في جماعة بعينها؛ فكل نفوذ مسلح يتحول إلى وصاية على المجتمع يمكن أن يعيد إنتاج المشكلة نفسها، سواء جاء من الشمال أو الجنوب، ومن جماعة مذهبية أو قوة مناطقية أو مركز نفوذ سياسي وعسكري.
وهنا تكمن أهمية تعز وعدن معا: فهما ليستا جبهتين عسكريتين فقط، بل مدينتان تختزنان تجربة يمنية مختلفة؛ تجربة المدينة المفتوحة على الثقافة، والتعليم، والتجارة، والسياسة، والتعدد الاجتماعي.
ولذلك فإن الدفاع عن تعز ليس دفاعا عن تعز وحدها، كما أن حماية عدن ليست قضية عدنية منفردة.
تعز حين تصمد، فهي تدافع عن عدن. وعدن حين تحمي مدنيتها، فهي تحمي تعز.
وبين المدينتين تمتد معركة اليمنيين من أجل دولة لا تقوم على الغلبة، ولا على الهيمنة، ولا على السلاح، بل على الجمهورية والمواطنة والحرية والعدالة والتعدد السياسي.
هذه هي المعركة التي ينبغي أن يفهمها اليمنيون: ليست معركة شمال ضد جنوب، ولا جنوب ضد شمال، وإنما معركة الدولة ضد منطق الغلبة، والمواطنة ضد الامتياز، والمدنية ضد عسكرة المجتمع.
ولهذا ستظل تعز وعدن، رغم كل ما بينهما من اختلاف في الجغرافيا والتاريخ المحلي، توأمتين في الدفاع عن اليمن المدني الذي يتسع للجميع.
المصدر: المهرية نت


