الأخوّة الإيمانية فوق الحدود الوطنية

تيسير السامعي
أصبحت الحدود السياسية والسيادة الوطنية محددات أساسية للعلاقات بين الدول والشعوب، بما رافق ذلك من إشكالات وتناقضات مع مبادئ الإسلام وتعاليم القرآن.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
المؤمن هو من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. وهذه الأخوّة الإيمانية لا يحدّها جنس أو لون أو عرق أو وطن؛ فالمؤمن في إندونيسيا أو المغرب أو تركمانستان أو اليمن، تجمعه بإخوانه رابطة العقيدة والإيمان.
فالأخوّة الإيمانية رابطة تتجاوز الحدود الجغرافية والتقسيمات السياسية، ولا ينبغي أن تتلاشى أمامها معاني التضامن والتكافل والنصرة بين المؤمنين.
مصطلح الدولة الوطنية، ومفهوم أخوّة الوطن المرتبطة بها، مفهومان حديثان نسبيًا، لم يمرّ على ظهورهما أكثر من ثمانين سنة، وليس لهما سند ولا متن في تراثنا الإسلامي. وقد جاءا نتيجة التأثر بمفهوم الدولة القومية في أوروبا، التي ظهرت بعد معاهدة وستفاليا عام 1648، التي تُعدّ محطة مهمة في تطور الدولة الحديثة وترسيخ نظام الدول ذات السيادة في أوروبا.
ومع انتقال هذا النموذج إلى العالم الإسلامي، جرى تبنّيه بكل سلبياته، وأصبحت الحدود السياسية والسيادة الوطنية محددات أساسية للعلاقات بين الدول والشعوب، بما رافق ذلك من إشكالات وتناقضات مع مبادئ الإسلام وتعاليم القرآن.
ومن أبرز هذه الإشكالات أن تتحول الحدود الوطنية من تنظيم سياسي وإداري إلى حواجز تفصل بين أبناء العقيدة الواحدة، حتى أصبح المسلم في بلد ينظر أحيانًا إلى المسلم في بلد آخر بوصفه غريبًا لا تربطه به صلة تتجاوز حدود دولته، وكأنهما ينتميان إلى عالمين مختلفين.
وهكذا، طغت في بعض المواقف اعتبارات الانتماء الوطني على مقتضيات الأخوّة الإيمانية، وأصبح الوطن، لدى بعض الناس، معيارًا للولاء والبراء، حتى بات التدخل في الشؤون الداخلية للدول يُرفض باسم السيادة الوطنية، بصرف النظر عن طبيعة ما يجري داخل حدودها من ظلم أو قهر أو انتهاك لحقوق الإنسان.
ومن هنا، نسمع عبارات من قبيل: «اليمني أخو اليمني»، و«المصري أخو المصري»، وهي عبارات تعبّر عن روابط المواطنة والانتماء الوطني، لكنها تصبح إشكالية حين تُستخدم لحصر الأخوّة والتضامن في أبناء الوطن الواحد، أو لتبرير تجاهل معاناة الآخرين.
ففي نظر بعض اليمنيين، قد يُعامل السعودي بوصفه أجنبيًا لا تربطه بهم رابطة تتجاوز الحدود، وفي نظر بعض السعوديين قد يُعامل اليمني بالمثل، رغم ما يجمع الشعبين من روابط الدين والتاريخ والجوار والمصالح المشتركة. وهنا يبرز السؤال: هل ينبغي أن تكون الحدود السياسية أقوى من رابطة العقيدة والأخوّة الإسلامية؟
إن مفهوم السيادة الوطنية لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاهل الظلم أو التنصل من المسؤولية الأخلاقية تجاه المظلومين، كما أن الانتماء الوطني لا يتعارض بالضرورة مع الأخوّة الإيمانية، ما دام كل منهما يُفهم في إطاره الصحيح.
لقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.
فالتنوع بين الشعوب والقبائل وسيلة للتعارف والتواصل، وليس مبررًا للتنافر والتعصب. وإذا كانت رابطة الأخوّة الإيمانية تقوم على العقيدة والإيمان، فإنها لا تُسقط حقوق الآخرين، ولا تلغي مقتضيات العدل والرحمة والتعايش.
إن الوطن إطار للانتماء السياسي والمواطنة، لكنه لا ينبغي أن يكون حاجزًا أمام الأخوّة الإيمانية، ولا مبررًا للتخلي عن المظلومين.
فالحدود ترسم نطاق من السيادة، لكنها لا تمحو روابط الدين والإنسانية، ولا تعفي أحدًا من واجب العدل ونصرة الحق.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يَظْلِمُه ولا يُسْلِمُه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كُربةً، فرَّج الله عنه كُربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة».
المصدر: المهرية نت + مصادر مفتوحة


