آخر الأخبار

وزير خارجية عُمان يدعو إلى ميثاق عدم اعتداء بين دول مجلس التعاون الست والعراق وإيران

وزير خارجية عُمان يدعو إلى ميثاق عدم اعتداء بين دول مجلس التعاون الست والعراق وإيران
 
متابعة خاصة
شارك الخبر:

دعا وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي إلى إطلاق حوار إقليمي جديد بشأن أمن الخليج، والتوصل إلى ميثاق لعدم الاعتداء بين الدول الثماني المطلة عليه، مؤكداً ضرورة أن تتولى دول المنطقة مسؤولية أمنها بصورة جماعية وشاملة، بمشاركة دول مجلس التعاون الخليجي الست والعراق وإيران.

وقال البوسعيدي، في كلمة بعنوان «الأمن الشامل في الخليج» ألقاها في جامعة كامبريدج البريطانية، إن أي إطار لأمن الخليج لا يشمل إيران «لن يكون مستقراً بطبيعته»، معتبراً أن إقصاءها بصورة منهجية عن ترتيبات أمن المنطقة على مدى قرابة نصف قرن خلّف عواقب سلبية عميقة على إيران والمنطقة بأسرها.

وأضاف أن مداولات الدول الثماني ينبغي أن تستهدف غاية أكثر طموحاً من معالجة القضايا الآنية، تتمثل في إبرام ميثاق لعدم الاعتداء بينها، بوصفه شرطاً أساسياً لإقامة هيكل أمني إقليمي شامل، إلى جانب بلورة فهم مشترك لترتيبات حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.

إقصاء إيران وتداعيات الاعتماد على الخارج

وقال وزير الخارجية العُماني إن من أبرز المشكلات التي تعيق معالجة قضايا أمن الخليج اعتماد ترتيبات المنطقة بدرجة كبيرة على مشاركة قوى خارجية، الأمر الذي جعل القضايا التي ينبغي أن تعالجها دول الخليج إقليمياً أكثر تعقيداً، وأحياناً مستعصية على الحل.

وأوضح أن العقبات التي تواجه التوصل إلى حلول للملف النووي الإيراني وحرية الملاحة في مضيق هرمز تمثل أحدث تداعيات مزيج وصفه بأنه غير مستقر من استعراض القوة والتبعية في الخليج.

وأضاف أن حل هاتين القضيتين يظل متعذراً ما دامت قوى خارجية تحدد شروط المشاركة، في حين تعجز القوى الإقليمية عن تحمل المسؤولية الجماعية لوضع ترتيبات أمنها والتوافق بشأنها.

واعتبر البوسعيدي أن من أشد ما فرضته الأولويات الخارجية ضرراً على المنطقة اشتراط إقصاء إيران، بل تصويرها باعتبارها التهديد الذي ينبغي تنظيم الأمن الإقليمي لمواجهته.

وقال إن ذلك أدى، بدلاً من إقامة هيكل أمني يحافظ على علاقات مستقرة بين دول الخليج الثماني، إلى نشوء نظام إقليمي غير مستقر يقوم على تصور خاطئ بوجود عداء إقليمي جوهري بين إيران ودول الخليج العربية.

وأضاف أن العرب والفرس عاشوا في سلام حول الخليج لقرون عديدة، مشيراً إلى أن إيران، التي يبلغ عدد سكانها 93 مليون نسمة، تمتلك تاريخاً يمتد إلى ثلاثة آلاف سنة، وتمثل نحو نصف ساحل الخليج تقريباً.

وأكد أن أي هيكل لأمن الخليج لا يشمل إيران سيكون غير مستقر بطبيعته وغير سليم من الناحية الهيكلية، مشدداً على أن مسؤولية تصميم إطار أمني إقليمي جديد وتطويره وتنفيذه تقع في نهاية المطاف على دول المنطقة نفسها.

دعوة إلى حوار إقليمي قبل فرض حلول جديدة

ودعا البوسعيدي إلى بدء حوار إقليمي جديد بشأن أمن الخليج قبل فرض حلول أخرى على المنطقة من شأنها، بحسب تعبيره، ترسيخ نمط التبعية والإقصاء الذي تحتاج المنطقة بصورة عاجلة إلى إيجاد بديل له.

وقال إن المطلوب هو إطار أمني جديد وشامل يضم الدول الثماني المطلة على الخليج، مؤكداً أن تحقيق ذلك يتطلب مشاركة جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست، إلى جانب العراق وإيران، من حيث المبدأ والممارسة.

وأشار إلى أن الدول الثماني اجتمعت في مسقط في نوفمبر 1976، بمشاركة وزراء خارجية البحرين وإيران والعراق والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات، بهدف العمل على وضع ترتيبات للأمن الجماعي في الخليج.

وأوضح أن انسحاب القوات البريطانية من شرق السويس آنذاك دفع قادة المنطقة إلى إدراك الحاجة إلى تنظيم هيكل يضمن الأمن والاستقرار للجميع، لكنه قال إن اجتماع مسقط كان آخر مرة تجتمع فيها الدول الثماني حول طاولة واحدة.

وأرجع تعثر هذا المسار إلى التحولات التي شهدتها المنطقة، بما في ذلك الثورة الإيرانية عام 1979، والغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1980، والحرب العراقية الإيرانية خلال الثمانينيات، وهي أحداث قال إنها دفعت القوى الإقليمية والعالمية إلى التخلي عن مسار الأمن الإقليمي الجماعي وتبني ردود فعل دفاعية تحولت لاحقاً إلى نظام إقصائي حال دون قيام تعاون إقليمي حقيقي.

وتطرق إلى تطور التعاون الأمني الأمريكي في المنطقة، بدءاً من مبدأ كارتر عام 1980، الذي اعتبر أمن الخليج مصلحة وطنية حيوية للولايات المتحدة، مروراً بإنشاء القيادة المركزية الأمريكية عام 1983، ونشر القوات لدعم تحرير الكويت عام 1990، وإعادة تأسيس الأسطول الخامس في المنامة عام 1995، وصولاً إلى إنشاء القاعدة الأمريكية في قطر بعد هجمات 11 سبتمبر.

وأشار إلى أن سلطنة عُمان كانت أول من انخرط في هذا النوع من التعاون الأمني، من خلال اتفاقية التسهيلات العسكرية مع الولايات المتحدة عام 1980، التي تتيح الوصول للجيش الأمريكي عند الضرورة وبموافقة متبادلة.

كما أشار إلى أن مجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس عام 1981، أسهم في تحقيق تعاون إقليمي مهم في مجالات الحياة المشتركة والتنمية الاقتصادية، لكنه قال إن تطور الترتيبات القائمة أسهم، على نحو غير مقصود، في ترسيخ جغرافيا سياسية غذّت الشك المتبادل.

وأضاف أن الترتيبات الأمنية الموروثة نشأت استجابة لظروف تاريخية تغيرت منذ ذلك الحين، داعياً دول الخليج إلى إعادة النظر في مدى ملاءمتها للتحديات الراهنة.

مضيق هرمز والملف النووي الإيراني

وتناول البوسعيدي المفاوضات التي شاركت فيها سلطنة عُمان خلال العامين الماضيين، موضحاً أن المرحلة الأولى تمثلت في محادثات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، استضافتها مسقط وروما وجنيف، وشملت خمس جولات في أبريل ومايو 2025 وثلاث جولات في فبراير من العام الحالي.

وقال إن تلك المحادثات استهدفت تسوية الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني وإنهاء 47 عاماً من العداء المتبادل بين البلدين، مضيفاً أن سلطنة عُمان كانت تعتقد أن المفاوضات أحرزت تقدماً كبيراً وأن الاتفاق أصبح في متناول اليد.

وأكد أن البنود الأساسية لاتفاق من هذا النوع لا تزال قائمة إذا قرر الطرفان العودة إلى المفاوضات، لكنه أشار إلى أن طريق استئنافها بعد انتهاء الحرب أصبح شديد الصعوبة على الولايات المتحدة وإيران.

وأوضح أن المرحلة الثانية من المفاوضات بدأت بعد التوقيع على مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة في 17 يونيو، قال إنها أوقفت النزاع المسلح الذي اندلع في 28 فبراير، بينما كانت المحادثات المتعلقة بالقضية النووية لا تزال جارية.

وأضاف أن هذه المرحلة جرت بين سلطنة عُمان وإيران، وهدفت إلى التوصل إلى اتفاق بشأن ترتيبات تساعد على ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

وقال إن المحادثات رفيعة المستوى والمشاورات الفنية بين مسقط وطهران أفضت إلى وضع الخطوط العريضة لترتيب مؤقت للملاحة، لكنه أشار إلى أن هذا الترتيب لا يزال يواجه عقبات سياسية.

وأوضح أن تنفيذ أي ترتيب من هذا القبيل يصعب تصوره ما لم تكن إيران والولايات المتحدة مستعدتين لتقديم تنازلات والتوصل إلى تفاهم عملي يشمل التراجع عن بعض الإجراءات التي اتُخذت خلال الحرب الأخيرة وأدت إلى توقف حركة الملاحة البحرية إلى حد بعيد.

وأكد أن حرية الملاحة عبر مضيق هرمز تمثل إحدى القضايا الرئيسية التي ينبغي التوصل إلى تفاهم مشترك بشأنها ضمن أي حوار إقليمي جديد، لكنه شدد على أن معالجة هذه المسألة لا تنفصل عن ضرورة إعادة صياغة ترتيبات أمن الخليج بصورة شاملة.

الشراكات الخارجية ودور دول المنطقة

وشدد وزير الخارجية العُماني على أن الدعوة إلى تولي دول الخليج مسؤولية أمنها لا تعني التخلي عن الشراكات الخارجية، بل إعادة تحديد دورها بحيث لا يكون رئيسياً في هيكل الأمن الإقليمي.

وقال إن الأمل يتمثل في ألا تأخذ الشراكات الخارجية، مع مرور الوقت، شكل الالتزامات العسكرية، وأن تتجه بصورة أكبر نحو التعاون الاقتصادي والاستثمار في مستقبل الخليج وإقامة شراكة اقتصادية تشمل الدول الثماني جميعها.

وأشار إلى أن فكرة الأمن الإقليمي الشامل كانت جزءاً مما دار في المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، موضحاً أنه ناقشها شخصياً مع الطرفين لساعات طويلة.

وأضاف أن مرحلة ما بعد الحرب قد تتيح فرصة اقتصادية كبيرة، ليس للولايات المتحدة وحدها، بل لدول المنطقة أيضاً.

وأكد أن تفاصيل بناء الإطار الأمني الجديد ستكون صعبة، وأن المفاوضات ستكون شاقة وطويلة، لكنه قال إن الاتجاه المطلوب واضح، وإن الخطوات الأولى ينبغي أن تُتخذ الآن.

وختم البوسعيدي بالتأكيد على أن تكثيف دول الخليج جهودها يمكن أن يجعل تحقيق الأمن الإقليمي الشامل ممكناً، على غرار الرؤية التي طُرحت في مسقط عام 1976، معتبراً أن استعادة طموح تلك المرحلة وإعادة جمع الدول الثماني حول طاولة واحدة أمر ممكن، وأن هذا المسار هو «المسار العقلاني الوحيد» في ظل الظروف الراهنة.

ودعا إلى الاستفادة من الأفكار الجديدة والتفكير المتطور لدى نظرائه في الخليج، معرباً عن تطلعه إلى مواصلة النقاش بشأن مستقبل الأمن الإقليمي بما يخدم مصالح دول المنطقة جميعاً.

المصدر: «صحيفة أثير»

تابعنا على :