هل يغيّر امتلاك الحكومة طائرات عسكرية ميزان القوى في اليمن؟

أعادت الحكومة اليمنية مؤخرًا تسليط الضوء على قدرات سلاحها الجوي، عقب بث التلفزيون الرسمي مشاهد لمقاتلة حربية تابعة للقوات الجوية اليمنية، بالتزامن مع تصريحات نائب قائد القوات الجوية اللواء عبدالعزيز المحيا، التي أكد فيها إعادة تأهيل عدد من الطائرات المقاتلة وتنفيذ مهام عسكرية خلال الفترة الماضية.
وقال المحيا إن القوات الجوية تمكنت من تجهيز عدد من الطائرات المقاتلة، وإعداد الطيارين والمهندسين والفنيين لتنفيذ المهام الموكلة إليها، دون أن يكشف عن عدد الطائرات التي أصبحت جاهزة للخدمة أو حجم الأسراب التي أُعيد تأهيلها.
وجاء هذا الإعلان بعد أيام من تبني وزارة الدفاع اليمنية التابعة للحكومة الشرعية عملية استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي، في خطوة قالت إنها هدفت إلى منع طائرة تابعة لشركة الطيران الإيرانية "ماهان إير" من الهبوط في العاصمة الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين.
وأثار ظهور المقاتلات تساؤلات حول ما إذا كانت عودة سلاح الجو الحكومي تمثل تحولًا في ميزان القوى، أم أنها تظل قدرة عسكرية محدودة ضمن معادلة ميدانية أكثر تعقيدًا.
قدرات المقاتلات وحدود تأثيرها
وبحسب المشاهد التي بثها الإعلام الرسمي في قناة اليمن الفضائية، فإن المقاتلة التي ظهرت هي من طراز Northrop F-5F Tiger II الأمريكية، وهي مقاتلة خفيفة متعددة المهام تُستخدم في الهجوم الأرضي والاستطلاع والتدريب القتالي، وتصل سرعتها إلى نحو 1.6 ماخ، فيما يبلغ مداها القتالي قرابة 1400 كيلومتر.
وتأتي عودة هذه المقاتلات إلى الواجهة بعد سنوات من تراجع قدرات سلاح الجو اليمني، إثر تعرض أجزاء من طائراته ومنشآته العسكرية للتدمير منذ عام 2015، ولا سيما في قاعدتي الديلمي والعند، إلى جانب تحديات مرتبطة بالصيانة والدعم الفني.
ويظل التأثير العملياتي لهذه الخطوة مرتبطًا بعدد المقاتلات الجاهزة، ونوعية تسليحها، وتوافر قطع الغيار، وقدرتها على العمل ضمن منظومة متكاملة تشمل الاستطلاع والدفاع الجوي والدعم اللوجستي، وهو ما سيحدد مدى قدرتها على إحداث أثر ميداني في أي مواجهة محتملة.
الطيران يعزز القدرات العسكرية
وتعليقا على ذلك، يرى الباحث في الشؤون العسكرية العميد عبدالرحمن الربيعي أن:" عودة الطيران الحربي إلى الخدمة تمثل إضافة مهمة لقدرات القوات الحكومية، سواء عبر إعادة تأهيل طائرات القوات الجوية اليمنية السابقة أو من خلال توفير طائرات من الطراز نفسه". مؤكدًا أن" هذا السلاح بات موجودًا ضمن تشكيل القوات المسلحة التابعة للحكومة الشرعية".
وأضاف، في تصريح لـ"المهرية نت"، أن:" سلاح الجو يُعد عاملًا مساندًا في الحروب، بينما يبقى الحسم الميداني مرهونًا بالقوات البرية وقدرتها على التقدم والسيطرة على الأرض". مشيرًا إلى أن" القوات البرية الحكومية أصبحت أكثر قدرة وتأهيلًا وتسليحًا لخوض أي معركة برية".
وأوضح أن الطائرات التي ظهرت، وهي من طراز F-5 الأمريكية، تُعد مقاتلات خفيفة تمتاز بقدرتها على المناورة والتحليق على ارتفاعات منخفضة، ما يجعلها ملائمة لطبيعة التضاريس اليمنية، إلى جانب امتلاكها قدرات جيدة في الإسناد الجوي والهجوم الأرضي.
وقلل الربيعي من تأثير الترسانة الصاروخية التي تمتلكها جماعة الحوثي في مواجهة أي هجوم بري واسع، معتبرًا أن الصواريخ الباليستية تُستخدم أساسًا لاستهداف المنشآت والأهداف الثابتة، ولا تمثل عاملًا حاسمًا في إيقاف تقدم القوات البرية.
كما رأى أن مخزون الجماعة من الصواريخ تراجع مقارنة بالسنوات الماضية، مؤكدًا – وفق تقديره – أن الحديث عن امتلاكها صواريخ فرط صوتية فعالة أصبح مبالغا فيه.
وفيما يتعلق بجاهزية الطيران الحكومي، قال إن تشغيل المقاتلات يتطلب منظومة متكاملة تشمل الصيانة وقطع الغيار والذخائر والدعم الفني واللوجستي والسيطرة الجوية، معربًا عن اعتقاده بأن هذه المتطلبات قد أُخذت في الحسبان.
وخلص إلى أن هذه الطائرات ستكون عاملًا مهمًا ومؤثرًا في أي مواجهة عسكرية مقبلة إذا اندلع القتال، لكنها لا تستطيع وحدها حسم المعركة، إذ يظل ذلك مرهونًا بدور القوات البرية.
تأثير محدود لا يغير ميزان القوى
وفي السياق، يقول رئيس مركز وموقع "هنا عدن" للدراسات الاستراتيجية أنيس منصور، إن عودة المقاتلات الحربية إلى الخدمة تمثل إضافة إيجابية ومؤثرة لقدرات القوات الحكومية، لكنها لا تصل إلى حد تغيير ميزان القوى أو قلب المعادلة العسكرية مع جماعة الحوثيين.
وأضاف لـ"المهرية نت" أن تأثير هذه المقاتلات قد يُحدث خللًا في حسابات الجماعة ويعزز قدرات الحكومة، لكنه يظل تأثيرًا محدودًا، ولا يمثل عاملًا حاسمًا في حسم المعركة.
وأوضح أن طبيعة الحروب الحديثة جعلت دور الطيران الحربي التقليدي أكثر محدودية مقارنة بالطائرات المسيّرة، التي أصبحت أداة أكثر فاعلية وتأثيرًا، نظرًا لقدرتها على تنفيذ مهام دقيقة وبكلفة أقل.
وأكد منصور أن الطيران الحربي يظل عامل إسناد للقوات البرية، ولا يستطيع وحده حسم المعارك التي تُحسم في النهاية بالسيطرة على الأرض.
وفيما يتعلق بحماية المنشآت الحيوية وموانئ تصدير النفط، يقول منصور إن المقاتلات الحربية لا تمثل وسيلة رئيسية لحماية هذه المنشآت، وإنما يقتصر دورها على تقديم الإسناد الجوي للعمليات العسكرية، بينما تعتمد الحماية بشكل أساسي على القوات البرية والمنظومات الأمنية والعسكرية المتكاملة.
وأشار إلى أن جماعة الحوثيين لا تمتلك دفاعات جوية متطورة قادرة على مواجهة الطائرات الحربية، لافتًا إلى أن التأثير الأكبر في المواجهات الحالية يرتبط بالطائرات المسيّرة، التي أصبحت عنصرًا أكثر حضورًا في العمليات العسكرية.
تاريخ المقاتلات في اليمن
وبينما يركز الخبراء على الأثر العسكري لعودة هذه المقاتلات، فإن هذه الطائرات تمتلك أيضًا تاريخًا طويلًا في القوات الجوية اليمنية، إلى أكثر من أربعة عقود.
ويعود دخول مقاتلات F-5 إلى الخدمة في القوات الجوية اليمنية إلى عام 1979، عندما حصلت عليها الجمهورية العربية اليمنية (شمال اليمن سابقًا) ضمن صفقة تسليح وفرتها الولايات المتحدة بتمويل من المملكة العربية السعودية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية خلال الحرب الباردة.
وجاءت الصفقة عقب المواجهات العسكرية بين شطري اليمن عام 1979، إذ سعت السعودية والولايات المتحدة إلى تعزيز قدرات شمال اليمن العسكرية في مواجهة النفوذ السوفييتي الداعم لجنوب اليمن آنذاك، وشملت مقاتلات F-5E/F إلى جانب طائرات نقل ومعدات عسكرية أخرى.
ورغم أن تصميم هذه المقاتلات يعود إلى ستينيات القرن الماضي، فإنها لا تزال تخدم في عدد من القوات الجوية حول العالم بفضل بساطة تشغيلها وانخفاض تكاليف صيانتها، وهو ما ساعد على إعادة تأهيل عدد منها وإعادتها إلى الخدمة بعد سنوات من تراجع دور سلاح الجو اليمني.
المصدر: المهرية نت





