آخر الأخبار

هل تقترب اليمن من مواجهة عسكرية شاملة؟ تصعيد حوثي يفتح جبهات جديدة

هل تقترب اليمن من مواجهة عسكرية شاملة؟ تصعيد حوثي يفتح جبهات جديدة
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

شهدت الساحة اليمنية، الأحد، تصعيداً عسكرياً واسعاً اتخذ من الساحل الغربي ومحافظة تعز محوراً رئيسياً له، بالتزامن مع رفع القوات الحكومية مستوى الجاهزية في محافظة الضالع وإرسال تعزيزات إلى عدد من الجبهات، في تطورات تعيد إلى الواجهة احتمال عودة العمليات العسكرية إلى مستويات أعلى بعد فترة طويلة نسبياً من الهدوء النسبي على خطوط التماس.

وجاء التصعيد الأبرز عبر هجوم شنته جماعة الحوثيين بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على مدينة المخا ومينائها، الواقع على البحر الأحمر بالقرب من مضيق باب المندب، فيما تحدثت مصادر حكومية عن تعامل الدفاعات الجوية مع عدد من الطائرات المسيّرة التي أطلقت باتجاه الميناء ومناطق تخزين ومنشآت حيوية.

وأعلن متحدث عسكري للقوات الحكومية مقتل سبعة أشخاص جراء الهجوم، قبل أن تتحدث مصادر يمنية لاحقاً عن ارتفاع عدد المصابين إلى نحو 30 شخصاً، فيما أفادت وزارة الصحة، بحسب وكالة سبأ، بأن إجمالي القتلى والجرحى المدنيين بلغ 37 شخصاً.

المخا.. الميناء في مرمى التصعيد

لم يقتصر القصف على محيط الميناء، إذ أفادت مصادر محلية بتعرض مناطق سكنية للقصف، فيما تحدثت تقارير ميدانية عن استهداف محطة الكهرباء في المخا ومواقع في منطقة الخوخة.

كما أوردت مصادر حكومية أن صاروخاً باليستياً حوثياً استهدف محيط مقر إقامة محافظ الحديدة في الخوخة، في تصعيد يوسع نطاق الاستهداف من الجبهات العسكرية إلى منشآت ومواقع ذات طابع اقتصادي ومدني.

من جانبها، أعلنت جماعة الحوثيين تنفيذ هجوم واسع على المخا بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وقال المتحدث العسكري للجماعة يحيى سريع إن العملية استهدفت، وفق رواية الجماعة، تحشيدات وقواعد عسكرية ومخازن أسلحة.

ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من المزاعم الحوثية بشأن حجم الخسائر التي قالت الجماعة إنها أوقعتها بالقوات الحكومية أو القوات السعودية، في حين تتعارض روايتها بشأن طبيعة الأهداف مع تأكيد الحكومة اليمنية تعرض منشأة اقتصادية ومدنية حيوية للقصف.

تعز.. عودة الضغط على الجبهات

ولم يتوقف التصعيد عند الساحل الغربي، إذ تجددت الاشتباكات بين القوات الحكومية والحوثيين في عدد من جبهات محافظة تعز. وقال المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية إن قوات الجيش استهدفت تجمعات وتحركات حوثية في تبة المدرجات شمال غربي مدينة تعز، إضافة إلى مواقع في جبهتي حمير بمديرية مقبنة والأقروض بمديرية صبر الموادم، بينما قصفت المدفعية تحركات حوثية في منطقة المحرور.

كما تحدث المركز عن رصد تعزيزات حوثية متجهة نحو الجبهة الشرقية لمدينة تعز، في مؤشر على زيادة النشاط العسكري بالتزامن مع الهجوم الذي استهدف المخا.

وتكتسب تعز أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الحرب اليمنية، فيما قد يؤدي استمرار إرسال التعزيزات إليها إلى رفع مستوى المواجهة وإعادة تنشيط خطوط تماس ظلت لفترات طويلة تحت مستوى التصعيد الذي شهدته خلال السنوات الأولى للحرب.

الضالع ترفع الجاهزية

وفي محافظة الضالع، دفعت التطورات العسكرية إلى رفع مستوى الاستعداد على الجبهات. ووجّه محافظ الضالع وقائد محورها العسكري أحمد قائد القبة برفع الجاهزية العسكرية وتعزيز خطوط التماس بوحدات إضافية لإسناد القوات المشتركة المنتشرة على امتداد الجبهات مع الحوثيين.

وقالت السلطة المحلية وقيادة المحور والأجهزة الأمنية إن القرار جاء رداً على التصعيد الحوثي، إلى جانب تحركات مسلحة استهدفت القوات المساندة للجبهات.

وتعكس هذه الإجراءات انتقال القوات الحكومية إلى مرحلة أكثر حذراً، تقوم على تعزيز المواقع الدفاعية والاستعداد لاحتمالات اتساع نطاق العمليات، خصوصاً مع تزامن التحركات في الضالع مع التصعيد في تعز والساحل الغربي.

مأرب وحضرموت.. سياق أوسع للتصعيد

ولا يمكن قراءة التطورات الأخيرة بمعزل عن موجة التصعيد التي شهدتها مأرب وحضرموت خلال الأيام الماضية، حيث تعرضت معسكرات تابعة للقوات الحكومية، بينها مواقع لقوات الطوارئ، لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وكانت مأرب قد تعرضت لقصف حوثي استهدف مناطق مأهولة ومخيمات للنازحين، وفق مسؤولين يمنيين، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

وأثار استهداف المناطق المدنية والنازحين إدانات حقوقية، إذ أدان مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان ومؤسسة تمكين المرأة اليمنية الهجمات الحوثية، وحذرا من تداعياتها الإنسانية، مطالبين بحماية المدنيين والنازحين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

كما طالبت المنظمات بفتح تحقيق مستقل في استهداف مخيمات النازحين، معتبرة أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية قد يرقى إلى جرائم حرب.

مأرب.. مدينة في قلب الصراع

وتحمل مأرب أهمية استثنائية في الحسابات العسكرية والسياسية اليمنية، فهي واحدة من أبرز معاقل الحكومة في شمال البلاد، كما تتمتع بموقع استراتيجي وثروات نفطية وغازية، فضلاً عن كونها استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين القادمين من مناطق مختلفة منذ اندلاع الحرب.

ولهذا، فإن التصعيد ضد المدينة لا يحمل أبعاداً عسكرية فقط، بل يترك تداعيات إنسانية وسياسية واسعة.

ويرى مراقبون أن استمرار الضغط الحوثي على مأرب، بالتزامن مع استهداف حضرموت والساحل الغربي وتعز، يعكس محاولة لإبقاء عدة جبهات تحت الضغط، ومنع القوات الحكومية من تركيز قدراتها في اتجاه واحد.

الحكومة: استهداف الاقتصاد 

وأدانت الحكومة اليمنية الهجوم على ميناء المخا، معتبرة أن استهداف الميناء والمنشآت الحيوية يمثل، وفق تعبيرها، حرباً على الدولة والمجتمع والاقتصاد الوطني.

وحملت الحكومة الحوثيين المسؤولية عن الهجوم، كما حملت إيران مسؤولية استمرار إمداد الجماعة بالأسلحة والخبرات والتكنولوجيا العسكرية.

وحذرت من أن استهداف الموانئ والمنشآت الاقتصادية يهدد الأمن الإقليمي والدولي وحرية الملاحة والتجارة في البحر الأحمر، مؤكدة أنها ستعمل على حماية الموانئ والمنشآت الاقتصادية والخدمية وتأمين حركة التجارة والإمدادات بالتنسيق مع شركائها.

وفي السياق ذاته، قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إن استهداف المخا يكشف، بحسب تعبيره، حرباً ممنهجة على مقدرات اليمن وشرايين حياته، معتبراً أن الهجوم على ميناء قريب من باب المندب يمثل امتداداً للتصعيد الإقليمي المرتبط بإيران.

وخلال لقائه القائم بأعمال السفارة الأمريكية لدى اليمن نيل هوب، دعا العليمي المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، إلى الانتقال من احتواء التهديد الحوثي إلى معالجة مصادره وأدواته.

وأكد هوب دعم واشنطن للشراكة مع الحكومة اليمنية في مجال الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والتصدي لما وصفه بالعدوان الحوثي المدعوم من إيران.

المخا وباب المندب.. البعد الإقليمي

ويمنح موقع المخا الهجوم بعداً يتجاوز الحسابات اليمنية الداخلية. فالميناء يقع على الساحل الغربي بالقرب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما يجعل استهدافه جزءاً من معادلة أمنية ترتبط بحركة التجارة والطاقة والملاحة الدولية.

ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه الهجمات الحوثية على السفن والمنشآت المرتبطة بالطاقة في المنطقة، بما يجعل أي توسع للعمليات العسكرية في الساحل الغربي قابلاً للارتباط بالتوترات الإقليمية الأوسع.

كما أوردت تقارير أن هجوم المخا جاء بالتزامن مع تصعيد حوثي استهدف منشأة تابعة لشركة أرامكو في منطقة جازان السعودية، وهو ما يضيف بعداً إقليمياً آخر إلى المشهد.

يشير تزامن الهجمات في المخا وتعز والضالع مع التصعيد في مأرب وحضرموت إلى تغير في نمط العمليات، من مواجهات محدودة على جبهات بعينها إلى تحركات متزامنة في مناطق جغرافية متباعدة. 

وقد يكون الهدف الحوثي، وفق قراءة مراقبين، هو اختبار جاهزية القوات الحكومية، واستنزاف قدراتها، وفرض ضغط متزامن على أكثر من جبهة، بدلاً من خوض مواجهة برية واسعة في منطقة واحدة.

وفي المقابل، تبدو القوات الحكومية أمام اختبار مختلف: كيفية الحفاظ على مواقعها ورفع جاهزيتها دون الانجرار إلى استنزاف واسع، خصوصاً أن فتح عدة جبهات في وقت واحد يتطلب إمكانات بشرية ولوجستية كبيرة.

 مواجهة شاملة.. هل تتغير قواعد الاشتباك؟

يرى مراقبون وخبراء أن اتساع نطاق التصعيد وتزامن العمليات العسكرية على أكثر من جبهة لا يكفيان وحدهما للقول إن الأطراف حسمت قرارها بالانتقال إلى مواجهة عسكرية شاملة، إلا أن طبيعة الهجمات وحجم التحركات العسكرية تشير إلى أن قواعد الاشتباك التي حكمت المرحلة السابقة باتت أمام اختبار حقيقي.

ويعتقد الخبراء أن المواجهة المفتوحة لا تزال تحمل كلفة مرتفعة على مختلف الأطراف، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وإنسانياً، الأمر الذي قد يدفعها إلى مواصلة التصعيد المحسوب واستخدام القوة كأداة للضغط، من دون الانزلاق الفوري إلى حرب واسعة.

لكن مراقبين يحذرون من أن الخطر لا يكمن بالضرورة في اتخاذ قرار مباشر بإشعال حرب شاملة، وإنما في تراكم التصعيد المتبادل؛ إذ إن استمرار الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتوازي مع تحريك القوات وإرسال التعزيزات ورفع الجاهزية، قد يؤدي تدريجياً إلى كسر قواعد الاشتباك وفتح مسارات يصعب احتواؤها لاحقاً.

ويشير الخبراء إلى أن خطورة المرحلة الحالية تكمن في تزامن عدة مسارات عسكرية في وقت واحد، من هجمات صاروخية ومسيّرة على الساحل الغربي، وتجدد المواجهات في تعز، ورفع الجاهزية في الضالع، وصولاً إلى التصعيد في مأرب وحضرموت.

 ويعكس ذلك، وفق تقديراتهم، انتقال المشهد من مواجهات متفرقة إلى اختبار متعدد الجبهات لقدرة الأطراف على ضبط التصعيد.

ويرى مراقبون أن الحرب الشاملة قد لا تبدأ بقرار معلن، وإنما قد تتشكل تدريجياً نتيجة سلسلة من الضربات والردود والتحركات العسكرية المتبادلة، بحيث يؤدي كل تصعيد إلى رد مقابل، قبل أن تتحول هذه الحلقة إلى واقع ميداني يفرض نفسه على مختلف الأطراف.

وبحسب هذه القراءة، تقف اليمن أمام مرحلة شديدة الحساسية، فمع كل ضربة جديدة تضيق مساحة الاحتواء، ومع كل تعزيز عسكري ترتفع احتمالات سوء التقدير، ما يجعل استمرار التصعيد لفترة أطول عاملاً قد يدفع تدريجياً نحو الانتقال من العمليات المحسوبة إلى مواجهة عسكرية أوسع.

المصدر: المهرية نت+ مصادر مفتوحة