هل تحول الساحل الغربي إلى إقليم منفصل خارج مظلة الشرعية اليمنية ؟

منذ مطلع 2018، شكّل بسط القوات المشتركة بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح سيطرتها على مدينة المخا الاستراتيجية، بدعم إماراتي مباشر، بدايةً لواقع سياسي وعسكري جديد في الساحل الغربي.
رغم تمسك خطاب صالح بمفردات "الجمهورية" و"الشرعية"، إلا أن الواقع كشف عن نشوء "سيادة موازية" تُدار بمعزل عن مؤسسات الدولة المركزية، وتتفرد بالقرارين المالي والعسكري.
فخلال السنوات الثماني الماضية، اكتملت في المخا ملامح ما يشبه "الإقليم المنفصل".
بُنيت منظومة متكاملة تضم مطاراً دولياً وميناءً حيوياً وإدارات أمنية وقضائية خاصة، تُدار حصرياً عبر هياكل "المقاومة الوطنية" دون إشراف من الحكومة في عدن أو السلطة المحلية بتعز.
ومع مطلع أبريل 2026، انتقلت التوترات من الشريط الساحلي إلى عمق ريف تعز، إذ أثار الانتشار المكثف لنقاط أمنية تابعة للمقاومة الوطنية في قرى مديرية الوازعية، كالشقيراء والأحيوق، قلقاً واسعاً، وُصف بأنه محاولة لفرض نفوذ أحادي يتجاوز التنسيق مع سلطات تعز، ويسعى لإلحاق المديرية إدارياً وعسكرياً بمربع نفوذ "المخا".
وفي تطور لافت يهدف إلى كبح طموحات التوسع، كشفت مصادر رئاسية عن تحركات حاسمة يقودها رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي.
في السابع من أبريل الجاري، أفاد مصدر في الرئاسة اليمنية بأن: "الرئيس الدكتور رشاد العليمي وجّه عضو مجلس القيادة، طارق صالح، بسحب جميع عناصره العسكرية وأسلحته الثقيلة والطائرات المسيّرة من قرى مديرية الوازعية غرب محافظة تعز"، حسب مصادر إعلامية.
كما أوضح المصدر أن الرئيس العليمي وجّه صالح بالتركيز على دعم الترتيبات الجارية تحت إشراف قيادة التحالف العربي، والتي يقودها اللواء فلاح الشهراني، لتوحيد القوات ودمجها.
وعلى الرغم من وضوح التوجيهات الصادرة عن الرئيس رشاد العليمي في السابع من أبريل، إلا أن الواقع في الساحل الغربي لا يزال يعكس حالة من "المقاومة الصامتة" لهذه القرارات.
فمنذ صدور التوجيهات بدمج القوات وتوحيد القرار المالي والإداري، لم يصدر عن العميد طارق صالح أو قيادة "المقاومة الوطنية" أي تصريح رسمي أو خطوات عملية تشير إلى البدء في دمج الهياكل العسكرية تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية.
ويرى مراقبون أن هذا الغياب التام لأي مؤشرات تجاوب ميدانية يعزز المخاوف من أن "السيادة الموازية" في المخا ليست مجرد ضرورة عسكرية مؤقتة، وإنما مشروع يهدف إلى فرض أمر واقع يتجاوز سلطة مجلس القيادة الرئاسي.
الوعي الشعبي أفشل المشروع
بهذا الشأن، يقول الصحفي والناشط السياسي وليد الجبزي إن: "الساحل الغربي، الذي يضم مديريات تعز والحديدة، يشكل واحدة من أهم النقاط الجيوسياسية في المنطقة، بإطلالته المباشرة على مضيق باب المندب واحتضانه لجزيرة ميون الاستراتيجية".
وأوضح لـ"المهرية نت" أن: "هذا الساحل تحول إلى مطمع لمحاولات الهندسة السياسية التي تسعى لصناعة واقع جديد بعيداً عن المركز الإداري والسياسي لمحافظتي تعز والحديدة".
وأضاف الجبزي أن: "التحركات العسكرية المدعومة من الإمارات تحاول منذ سنوات تكريس واقع جديد لمديريات الساحل عبر إنشاء تشكيلات عسكرية خارج إطار مؤسسات الدولة الشرعية، والتحكم بالتعيينات الإدارية والأمنية بعيداً عن التنسيق مع السلطات المحلية في محافظة تعز".
ونوه إلى أن مشروع إقليم الساحل الذي رُوِّج له سابقاً اصطدم بصخرة الرفض الشعبي الصلب، وخاصة من أبناء محافظة تعز الذين أدركوا مبكراً أن فصل الرئة الساحلية عن الجسد التعزي هو محاولة لإضعاف المحافظة وحرمانها من عمقها الاستراتيجي.
واعتبر أن هذا الفشل لم يكن وليد الصدفة، وإنما نتيجة وعي مجتمعي وقبلي يرفض فصل الروح عن الجسد.
وتابع: "في هذا الجانب يبرز دور مديرية الوازعية وقبائلها كنموذج حي للتضحية والوفاء للجمهورية، فهؤلاء هم الذين كانوا في مقدمة الصفوف لتحرير مديريات الساحل من مليشيا الحوثي، ويجدون أنفسهم اليوم ضحية لمحاولات إخضاع واستفزاز من قبل التشكيلات العسكرية المتواجدة هناك".
واستغرب قائلاً: "الأغرب من ذلك هو استخدام الطيران المسيّر من قبل تلك التشكيلات العسكرية ضد المدنيين في الوازعية، في مشهد يثير الكثير من التساؤلات والاستهجان، وبالمقابل غابت هذه الطائرات عن استهداف المواقع الحوثية في الجبهات، وظهرت لتنتقم من الأحرار وأبنائهم الذين أفشلوا مخططات التقسيم".
واستطرد الجبزي قائلاً: "هذا السلوك لا يُفسر إلا كونه حقداً دفيناً ضد كل من يتمسك بالسيادة والشرعية وبالوحدة الإدارية لمحافظة تعز".
وبيّن الجبزي أنه مع التغيرات السياسية الأخيرة بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل، حيث يسعى الرئيس رشاد محمد العليمي بجدية لإنهاء حالة تعدد الأقطاب العسكرية عبر دمج كافة التشكيلات العسكرية تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية، لكن العراقيل والتحديات التي تواجه اللجنة العسكرية المكلفة بهذا الملف كبيرة جداً.
وأفاد بأن هذا المسار هو الضامن الوحيد لتحقيق الاستقرار، وأن إخضاع مديريات تعز الساحلية للسلطة المحلية في المحافظة ليس مجرد مطلب إداري، وإنما استحقاق وطني لا يقبل القسمة على اثنين.
ومضى قائلاً: "في الأخير لا يمكن للواقع المصطنع أن يستمر أمام حقائق التاريخ والجغرافيا، ومديريات الساحل ستعود لحضن محافظاتها، ولن تجد التشكيلات العسكرية بداً من الانصياع لقرارات القيادة السياسية والاندماج في مؤسسات الدولة". مؤكداً بأن "زمن الكانتونات العسكرية المعزولة يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويبقى الساحل تعزياً تحت سقف الجمهورية والشرعية".
قرار الدمج يفشل سلخ ساحل تعز
في ذات السياق، يقول الصحفي عامر دعكم إن: "محاولات سلخ مديريات ساحل تعز عن محيطها الجغرافي كانت مشروعاً يتسلل بهدوء حين بلغت الإمارات ذروة نفوذها في اليمن".
وأضاف لـ"المهرية نت" أن: "الجميع يدرك الأهمية الاستراتيجية لساحل تعز، كونه عقدة تتقاطع عندها المصالح الدولية، من مضيق باب المندب وصولاً إلى جزيرة ميون والمخا".
وتابع دعكم: "هذه المواقع تختزن وزناً جيوسياسياً يضعها في قلب الصراع الإقليمي، وهو ما يفسر حرص الإمارات على التواجد عبر أذرعها العسكرية وتزويدها بالمال والسلاح".
ويرى أن هذه التحولات الأخيرة التي شهدتها البلاد قلبت الطاولة على تلك المشاريع؛ بدءاً بقرار طرد الإمارات، مروراً بحل المجلس الانتقالي الجنوبي وإسقاط عضوية عيدروس الزبيدي، وصولاً إلى قرار دمج كافة التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، وهي خطوات استهدفت النفوذ الإماراتي المعادي لليمن واليمنيين، ونتج عنها تهاوي وتبخر رهانات التقسيم.
ويحدد دعكم خارطة الطريق للمرحلة المقبلة في النقاط الآتية:
أولاً المسؤولية السياسية: تقع العاتق الأكبر على رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، للمضي قدماً في تنفيذ قرار الدمج الفعلي.
ثانياً الدمج المؤسسي: يجب أن يشمل الجوانب المالية والإدارية لإنهاء تشظي القرار العسكري وإغلاق الباب أمام مشاريع التفتيت التي استهدفت اليمن، وفي القلب منها تعز.
ثالثاً المعركة الوطنية: استعادة وحدة الدولة مؤسسياً هي الممر الإجباري نحو معركة التحرير الكبرى لإنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة السيادة الوطنية.
المصدر: المهرية نت





