هل تتجه اليمن إلى معركة فاصلة؟ 5 محاور مرشحة لتغيير موازين الحرب

على وقع تصاعد الهجمات وتوسع رقعة التوتر، يبدو أن اليمن يقترب من طيّ مرحلة «اللاحرب واللاسلم» التي استمرت منذ هدنة أبريل/نيسان 2022، وسط مؤشرات تنذر بمواجهة أوسع قد تعيد رسم خريطة الصراع وقواعد الاشتباك في البر والبحر.
فخلال الأيام الأخيرة، لم يعد التصعيد محصوراً في جبهة واحدة أو في نمط محدد من العمليات، بل امتد من البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى مأرب وتعز والساحل الغربي والضالع وشبوة وحضرموت، بالتزامن مع تحركات عسكرية ورفع مستويات الجاهزية في عدد من الجبهات.
ويأتي ذلك في وقت دخلت فيه المواجهة البحرية مرحلة أكثر خطورة، بعدما تعرضت سفينة الشحن «تهامة»، التي ترفع علم تنزانيا، لهجوم حوثي في مضيق باب المندب، أسفر، وفق الحصيلة الأولية التي أعلنتها السلطات اليمنية، عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عشرة آخرين من أفراد الطاقم والقوات المسلحة وخفر السواحل.
من جانبها، تبنت جماعة الحوثيين الهجوم، وقالت إنه يأتي في إطار ما وصفته بـ«معادلة الحصار بالحصار»، مدعية أن السفينة المستهدفة مرتبطة بالسعودية.
ولم يتوقف التصعيد عند البحر. ففي مأرب والمخا، أعلنت مصادر حكومية تعرض مواقع وأحياء لهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بينما أعلنت الجماعة تنفيذ عمليات في المدينتين وتوعدت بمزيد من التصعيد.
وتزامنت هذه الهجمات مع تجدد النشاط العسكري على عدد من خطوط التماس، ما يطرح سؤالاً أكثر أهمية من طبيعة الهجمات نفسها: هل تتحول مرحلة التصعيد الحالية من حرب صواريخ ومسيّرات إلى مواجهة برية واسعة؟ وإذا حدث ذلك، فأين يمكن أن تبدأ المعركة؟
تصعيد متعدد الجبهات
منذ مطلع أغسطس/آب، شهدت جبهات عدة ارتفاعاً ملحوظاً في مستوى العمليات، بدأ بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة للحوثيين استهدفت مأرب وحضرموت، قبل أن تمتد دائرة التصعيد إلى الساحل الغربي وتعز والضالع وشبوة ومناطق أخرى.
وبينما تعتمد جماعة الحوثيين بصورة متزايدة على الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات البحرية، تتحرك القوات الحكومية وحلفاؤها باتجاه تعزيز المواقع الأمامية ورفع الجاهزية وإعادة ترتيب بعض الوحدات.
وتقول الجماعة إن تصعيدها يأتي رداً على ما تعتبره حصاراً واستهدافاً لمناطق سيطرتها، بينما ترى الحكومة اليمنية أن الهجمات تمثل محاولة لإعادة فرض معادلة عسكرية جديدة بعد سنوات من التهدئة.
ومنذ إعلان الحوثيين ما وصفوه بـ«النفير العام»، توسعت عملياتهم على ثلاثة مسارات رئيسية: البحر الأحمر وخليج عدن، والأراضي السعودية، والمناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية.
ومع انتقال المواجهة إلى المنشآت الاقتصادية والموانئ والممرات البحرية، لم يعد الداخل اليمني منفصلاً عن المعادلة الإقليمية، بل باتت الجبهات البرية مرشحة لتكون الساحة التي يمكن من خلالها الرد على التصعيد أو استثماره لإعادة رسم قواعد الاشتباك.
وتتصاعد لهجة الحكومة اليمنية، مع تزايد الدعوات والتهديدات باللجوء إلى خيار عسكري شامل يهدف إلى استعادة صنعاء وإنهاء سيطرة جماعة الحوثي، في وقت تثير فيه التطورات الميدانية مخاوف من أن تكون موجة التصعيد الحالية مقدمة لمرحلة أكثر سخونة، قد تطيح بقواعد الاشتباك التي استقرت نسبياً خلال السنوات الماضية.
قلب المعركة المحتمل
تتصدر مأرب والجوف قائمة المحاور المرشحة لتكون مركز الثقل في أي مواجهة برية واسعة. وتجمع المنطقة بين الأهمية العسكرية والاقتصادية والسياسية؛ فمأرب تمثل أحد أهم معاقل الحكومة والقوات المناهضة للحوثيين في شمال اليمن، كما تضم منشآت وحقولاً مرتبطة بإنتاج النفط والغاز، بينما تشكل الجوف امتداداً جغرافياً مهماً باتجاه الحدود الشمالية الشرقية للعاصمة صنعاء.
وتمنح طبيعة المنطقة القوات المسيطرة عليها قدرة على التحرك في اتجاهات متعددة، سواء نحو الجوف شمالاً أو البيضاء جنوباً أو باتجاه صنعاء غرباً؛ ولهذا، فإن أي تغير كبير في خطوط التماس هنا لن يكون مجرد مكسب جغرافي محدود، بل يمكن أن ينعكس على منظومة السيطرة في شمال اليمن بأكملها.
وتنتشر القوات الحكومية في هذا المحور ضمن تشكيلات تابعة للمنطقة العسكرية الثالثة في مأرب والمنطقة العسكرية السادسة، إلى جانب ألوية ووحدات أخرى وقوات قبلية مساندة.
وفي المقابل، يحتفظ الحوثيون بوجود عسكري كثيف في المناطق المحيطة بمأرب والجوف، مع خبرة طويلة في القتال ضمن البيئة الصحراوية والجبلية المحيطة بالمحافظة.
وقد أثبتت مأرب خلال سنوات الحرب قدرتها على الصمود أمام هجمات واسعة، كان أبرزها الهجوم الحوثي الكبير عام 2021، الذي فشل في إسقاط المدينة.
ويرى الباحث محمد نجيب، في حديث لـ«المهرية نت»، أن جبهات مأرب تمثل نقطة التحول الاستراتيجي الأقرب في أي معركة برية مقبلة، بسبب موقعها الذي يسمح بفتح مسارات عملياتية باتجاه الجوف والبيضاء.
ويضيف أن تفعيل أكثر من محور في وقت واحد قد يفرض ضغطاً متزامناً على الحوثيين ويحد من قدرتهم على نقل القوات بين الجبهات. لكن نجيب يرى أن العامل الحاسم لا يتعلق بقدرة كل جبهة منفردة، وإنما بمدى قدرة القوات الحكومية على إدارة هذه الجبهات ضمن خطة عملياتية واحدة، وهو تحدٍ ظل حاضراً طوال سنوات الحرب.
الساحل الغربي.. مفتاح البحر والحديدة
إذا كانت مأرب تمثل العمق الاستراتيجي للقوات الحكومية في الشمال، فإن الساحل الغربي يمثل البوابة البحرية الأكثر حساسية في المعادلة اليمنية؛ حيث تمتد أهمية هذا المحور من المخا جنوباً إلى مناطق الساحل الأوسط والغربي لمحافظة الحديدة، حيث تقع موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويجعل الموقع الجغرافي للساحل الغربي أي معركة فيه مرتبطة مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وتنتشر في هذه الجبهة القوات المشتركة، التي تضم تشكيلات أبرزها قوات المقاومة الوطنية، وألوية العمالقة، والألوية التهامية، إلى جانب وحدات بحرية وخفر السواحل.
وتتمتع هذه القوات بخبرة قتالية كبيرة، خصوصاً في العمليات البرية والهجومية، كما تمتلك أسلحة ومدرعات ومدفعية ووسائل استطلاع ومراقبة. في المقابل، يعتمد الحوثيون على تحصينات دفاعية واسعة في مناطق جنوب وشرق الحديدة، إلى جانب الألغام والأنفاق والمدفعية والطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن.
وتزداد أهمية هذا المحور مع تصاعد الهجمات الحوثية على السفن التجارية، إذ إن أي تقدم بري للقوات الحكومية باتجاه الحديدة يمكن أن يغير المعادلة العسكرية والبحرية في آن واحد.
ولهذا يضع محمد نجيب جبهة الساحل الغربي في المرتبة الثانية بين المحاور المرشحة للحسم، معتبراً أن السيطرة على الحديدة ستعني تقليص قدرة الحوثيين على استخدام الساحل كمنصة للتهديد البحري وممر للإمداد.
لكن المعركة هنا ستكون معقدة؛ فالمنطقة الساحلية المفتوحة تمنح المهاجم مساحة حركة أكبر، لكنها في الوقت نفسه تجعل القوات المتقدمة عرضة للصواريخ والطائرات المسيّرة والكمائن والألغام.
تعز.. الجبهة التي لم تهدأ
تعز تمثل نقطة اتصال بين وسط البلاد والجنوب والساحل الغربي، كما أن موقعها يجعل السيطرة عليها ذات أهمية في أي محاولة لإعادة تشكيل خطوط الإمداد باتجاه الحديدة وإب.
وتنتشر القوات الحكومية في المدينة ومحيطها ضمن تشكيلات تابعة لمحور تعز والمنطقة العسكرية الرابعة، بينما يفرض الحوثيون سيطرة على أجزاء واسعة من المحافظة ويحتفظون بمواقع استراتيجية تطوق المدينة.
وتعتمد القوات الحكومية على المدفعية والأسلحة الثقيلة والمتوسطة والقناصة، إلى جانب القدرات المتزايدة في مجال الطائرات المسيّرة.
أما الحوثيون، فيستفيدون من الطبيعة الجبلية للمنطقة، ومن المرتفعات التي تسمح لهم بمراقبة خطوط الإمداد واستهداف المواقع الحكومية.
وتجعل الطبيعة الجغرافية لتعز من الصعب تحقيق اختراق سريع، لكن أي تقدم في هذه الجبهة يمكن أن يفتح طرقاً استراتيجية نحو الساحل وإب.
كما أن استمرار الاشتباكات والقصف المتبادل في تعز خلال الفترة الأخيرة يجعلها إحدى الجبهات التي يمكن أن تتحول سريعاً من حالة الاستنزاف إلى هجوم واسع إذا توافرت الإرادة السياسية والعسكرية.
بوابة الجنوب
في جنوب البلاد، تمثل جبهات الضالع ولحج أحد أكثر المحاور حساسية، بسبب موقعها الذي يفصل بين مناطق سيطرة الحكومة والحوثيين ويشكل بوابة طبيعية باتجاه الجنوب.
وتتميز المنطقة بتضاريس جبلية وعرة تجعل العمليات العسكرية عالية الكلفة، وتفرض على القوات المهاجمة الاعتماد على المشاة والوحدات الخفيفة والأسلحة المضادة للدروع أكثر من الاعتماد على المدرعات الثقيلة.
وتنتشر القوات الحكومية وحلفاؤها في محاور مريس والفاخر وباب غلق في الضالع، إضافة إلى كرش والعند ويافع في لحج.
وفي المقابل، يحتفظ الحوثيون بتشكيلات قتالية في المناطق الشمالية والغربية من هذه الجبهات، مستفيدين من التحصينات الجبلية والأنفاق والألغام.
وتمنح هذه الجبهة أهمية إضافية للطرفين؛ فبالنسبة للقوات الحكومية، يمثل أي تقدم شمالاً محاولة لتوسيع مساحة المناورة وتأمين الجنوب، بينما ينظر الحوثيون إلى هذه المناطق باعتبارها خطوط دفاع أمامية تحمي مناطق سيطرتهم في إب والبيضاء وتعز.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة رفع مستوى الجاهزية العسكرية في الضالع، بالتزامن مع تحركات على جبهات أخرى، ما يعزز احتمال تحولها إلى محور ضغط في أي عملية متعددة الجبهات.
المعركة داخل العمق الحوثي
تختلف جبهات صعدة وحجة عن بقية المحاور؛ فالمعركة هنا لا تتعلق فقط بالسيطرة على أرض، وإنما بالاقتراب من العمق التاريخي والسياسي والعسكري لجماعة الحوثيين.
وتضم المنطقة محاور باقم وكتاف ورازح ومران وحرض، وهي مناطق ذات طبيعة جبلية صعبة وتاريخ طويل من المواجهات.
وتنتشر القوات الحكومية وحلفاؤها في قطاعات حدودية مختلفة، مدعومة بوحدات حرس الحدود وقوات الطوارئ وألوية أخرى، بينما يعتمد الحوثيون على شبكة واسعة من التحصينات والأنفاق والمواقع الجبلية.
وتشكل التضاريس في هذه المنطقة عاملاً حاسماً؛ إذ تمنح المدافع أفضلية كبيرة، وتجعل أي تقدم بري بحاجة إلى عمليات استطلاع وإسناد ناري وإمداد مستمر.
كما أن الاقتراب من صعدة يعني الاقتراب من مركز الثقل الرمزي والعسكري للحوثيين، وهو ما قد يجعل الجماعة أكثر استعداداً لحشد قواتها للدفاع عن المنطقة.
ولهذا، قد تكون جبهة صعدة أقل احتمالاً لبدء الهجوم الكبير، لكنها يمكن أن تتحول إلى جبهة حاسمة في المرحلة التالية إذا نجحت القوات الحكومية في تحقيق اختراقات في مأرب والجوف أو الساحل الغربي.
الخلاصة
في المحصلة، لا تبدو المعركة المقبلة مجرد جولة جديدة من جولات الاستنزاف، بل اختباراً لقدرة الحكومة اليمنية على تحويل التعدد العسكري والجغرافي الذي تمتلكه إلى قوة عملياتية موحدة.
ففتح جبهات متعددة في وقت واحد، من مأرب والجوف إلى الساحل الغربي وتعز والضالع والجبهات الحدودية، قد يفرض على جماعة الحوثي تشتيت قواتها ومواردها، ويحد من قدرتها على نقل التعزيزات والمناورة بين الجبهات.
ويرى مراقبون أن المواجهة المتزامنة على عدة محاور، إذا اقترنت بقرار سياسي وعسكري موحد وغرفة عمليات مشتركة ودعم لوجستي كافٍ، يمكن أن تشكل نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب، خصوصاً إذا نجحت القوات الحكومية في استثمار نقاط الضعف في خطوط الحوثيين وقطع طرق الإمداد وممارسة ضغط متواصل على مراكز ثقل الجماعة.
المصدر: المهرية نت





