آخر الأخبار

جهود قادتها مسقط وتُوّجت في عمّان.. أكبر صفقة تبادل أسرى تفتح نافذة أمل لليمنيين

جهود قادتها مسقط وتُوّجت في عمّان.. أكبر صفقة تبادل أسرى تفتح نافذة أمل لليمنيين
 
خاص
شارك الخبر:

بعد أشهر من التحركات السياسية والإنسانية التي انطلقت من العاصمة العُمانية مسقط، تُوّجت الجهود الأممية والإقليمية، الخميس، بالتوقيع في العاصمة الأردنية عمّان على أكبر صفقة تبادل أسرى ومعتقلين منذ اندلاع الحرب اليمنية، في خطوة اعتُبرت اختراقًا مهمًا في واحد من أكثر الملفات الإنسانية تعقيدًا وتشابكًا في النزاع اليمني.

الاتفاق، الذي جرى برعاية مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن واللجنة الدولية للصليب الأحمر، جاء تتويجًا لمسار تفاوضي طويل بدأ خلال جولة مشاورات عُقدت في مسقط في ديسمبر/ كانون الأول 2025، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى جولات غير مباشرة في الرياض، ثم إلى مفاوضات مباشرة استمرت نحو تسعين يومًا في العاصمة الأردنية عمّان، لتنتهي بالتوصل إلى اتفاق شامل للإفراج عن مئات الأسرى والمحتجزين من مختلف الأطراف.

وأعلن المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، وطرفا الصراع في اليمن، ممثلان بالحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة «أنصار الله» (الحوثيين)، التوقيع على الاتفاق، الذي وصف بأنه الأكبر منذ بدء الحرب، وسط ترحيب إقليمي ودولي واسع، واعتباره خطوة إنسانية قد تُمهّد لتخفيف حدة الأزمة وبناء قدر من الثقة بين الأطراف المتصارعة.

ورغم الاتفاق على تنفيذ صفقة واسعة، برز تباين واضح في الأرقام المُعلنة بشأن عدد المشمولين بالإفراج، وكذلك في تفاصيل الأسرى التابعين للتحالف العربي، فبينما أعلن بيان الحكومة اليمنية والتحالف أن الاتفاق يشمل الإفراج عن نحو 1750 أسيرًا ومعتقلًا من الطرفين، بينهم 27 من أسرى التحالف، قال نائب رئيس الوفد التفاوضي الحكومي، يحيى كزمان، إن العدد يبلغ 1728 محتجزًا، في حين أعلنت جماعة الحوثي أن الاتفاق يتضمن الإفراج عن 1680 أسيرًا ومعتقلًا، بينهم 207 أسرى سعوديين وسودانيين.

ورغم هذا التباين، أكدت الأطراف أن الاتفاق يُمثل المرحلة الأولى من تنفيذ ما عُرف بـ"اتفاق مسقط 2"، الذي تم التوصل إليه خلال الجولة العاشرة من المفاوضات في سلطنة عُمان نهاية العام الماضي، ونصّ على الإفراج عن نحو 2900 أسير ومعتقل من الجانبين، إضافة إلى ملفات أخرى مرتبطة بالمحتجزين والجثامين والزيارات المتبادلة للسجون.

مسقط… نقطة الانطلاق

ويستند الاتفاق الجديد بصورة مباشرة إلى التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال جولة المفاوضات التي احتضنتها العاصمة العُمانية مسقط بين 9 و23 ديسمبر/ كانون الأول 2025، برئاسة مشتركة من المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر وبجهود ودعم من سلطنة عُمان.

وبحسب ما أعلنته الأطراف آنذاك، فقد نص اتفاق "مسقط 2" على الإفراج عن 1700 أسير تابعين لجماعة الحوثي، و1200 أسير تابعين للحكومة اليمنية، بمن فيهم السياسي البارز محمد قحطان المعتقل لدى الحوثيين منذ عام 2015.

كما شمل الاتفاق، وفق ما أعلنته جماعة "أنصار الله"، ترتيبات خاصة بانتشال وتسليم الجثامين من مختلف الجبهات والمناطق، برعاية الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، في محاولة لمعالجة أحد أكثر الملفات الإنسانية حساسية في الحرب اليمنية.

ورغم أن اتفاق مسقط شكّل اختراقًا مهمًا، إلا أن تنفيذه واجه تحديات فنية وسياسية معقدة، دفعت الأطراف إلى استكمال المشاورات لاحقًا عبر جولات تفاوض غير مباشرة في الرياض، قبل الانتقال إلى مفاوضات مباشرة في عمّان استمرت قرابة ثلاثة أشهر متواصلة.

وأكد بيان الوفد الحكومي المفاوض أن المسار التفاوضي انطلق من مسقط في 11 ديسمبر/ كانون الأول 2025، عبر جولة مضنية استمرت شهرًا كاملًا، أُرست خلالها الأطر التقنية والإجرائية الخاصة بتبادل الكشوفات والتحقق من الأسماء وآليات التنفيذ، قبل أن تستضيف الأردن الجولة النهائية التي تُوّجت بالتوقيع على الكشوفات وآلية التنفيذ.

ملف محمد قحطان

ومن أبرز الملفات التي حضرت بقوة في الاتفاق الجديد، قضية السياسي البارز محمد قحطان، القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، والمعتقل لدى الحوثيين منذ عام 2015.

وقالت وكالة الأنباء الرسمية "سبأ" بنسختها الحكومية إن الاتفاق نص على تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين، بمشاركة أسرة قحطان، للتوجه إلى صنعاء والتحقق من مصيره واتخاذ الإجراءات اللازمة، بحضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر كوسيط محايد، وذلك قبل تنفيذ عملية إطلاق سراح المحتجزين.

وأضافت الوكالة أن الاتفاق تضمن كذلك تنفيذ زيارات متبادلة للسجون وأماكن الاحتجاز خلال المرحلة الثانية بعد تنفيذ عملية الإفراج.

ويمثل ملف قحطان إحدى أكثر القضايا حساسية في مفاوضات الأسرى، إذ ظل اسمه حاضرًا في مختلف جولات التفاوض منذ اتفاق ستوكهولم عام 2018 دون التوصل إلى تسوية نهائية بشأنه.

ترحيب حكومي واسع

وبارك رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الاتفاق، واصفًا إياه بأنه "لحظة فرح وأمل وبشارة خير قبيل عيد الأضحى"، معتبرًا أنه يُجسد تغليب القيم الإنسانية ولمّ شمل الأسر اليمنية وإنهاء معاناة آلاف العائلات.

وأشاد العليمي بالدور الذي لعبته السعودية في الوصول إلى الاتفاق، كما ثمّن جهود مكتب المبعوث الأممي، وسلطنة عُمان، والأردن، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والفريق الحكومي المفاوض.

بدوره، وصف رئيس الوزراء شائع الزنداني الاتفاق بأنه "خطوة إنسانية مهمة تبعث الأمل في نفوس آلاف الأسر اليمنية قبيل عيد الأضحى"، مؤكدًا أن الحكومة لا تزال تتمسك بمبدأ "الكل مقابل الكل" لإنهاء ملف المحتجزين بصورة شاملة.

وقال الزنداني إن الاتفاق يُمثل انفراجًا في واحد من أكثر الملفات إيلامًا لليمنيين، مشيدًا بالجهود السعودية والأممية والعُمانية والأردنية التي أسهمت في تحقيق هذا الإنجاز.

الحوثيون: الاتفاق يستند إلى تفاهمات مسقط

من جانبها، أعلنت جماعة الحوثي استكمال جولة المفاوضات بالتوقيع على القوائم النهائية للأسرى والمعتقلين.

وقال رئيس لجنة الأسرى التابعة للجماعة، عبدالقادر المرتضى، إن الاتفاق شمل الإفراج عن 1100 أسير ومعتقل من طرف الجماعة، مقابل 580 من الطرف الآخر، بينهم أسرى سعوديون وسودانيون.

وأوضح أن تنفيذ الاتفاق سيتم بعد استكمال الإجراءات الفنية المتعلقة باللجنة الدولية للصليب الأحمر.

كما أكد كبير مفاوضي الحوثيين محمد عبدالسلام أن الاتفاق يستند إلى تفاهمات مسقط التي أُبرمت نهاية العام الماضي، معربًا عن تقديره لجهود المبعوث الأممي وكل الأطراف التي أسهمت في إنجاز هذه الجولة.

الأمم المتحدة: أكبر صفقة منذ اندلاع الحرب

وفي بيان رسمي، وصف المبعوث الأممي هانس غروندبرغ الاتفاق بأنه "لحظة ارتياح كبير لآلاف اليمنيين الذين طال انتظارهم لعودة ذويهم"، مؤكدًا أن الاتفاق يُمثل أكبر عملية تبادل محتجزين منذ اندلاع النزاع اليمني.

وأشار غروندبرغ إلى أن الاتفاق جاء ثمرة 14 أسبوعًا من المفاوضات المكثفة التي جرت برعاية الأمم المتحدة في عمّان، معتبرًا أن ما تحقق يُظهر إمكانية إحراز تقدم عندما تنخرط الأطراف بجدية في الحوار.

وأضاف أن الاتفاق يُعد دليلًا واضحًا على قدرة المفاوضات المستمرة على تلبية الأولويات الإنسانية للعائلات اليمنية، وبناء الثقة اللازمة لدعم العملية السياسية الأشمل.

وأكد المبعوث الأممي أن الأطراف اتفقت كذلك على عقد اجتماعات جديدة بشأن مزيد من عمليات الإفراج، وتنفيذ زيارات مشتركة لمرافق الاحتجاز، وضمان الوصول إلى جميع المحتجزين.

وفي الوقت نفسه، جدّد غروندبرغ تضامنه مع جميع المحتجزين تعسفياً، بمن فيهم موظفو الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية المحتجزون لدى الحوثيين.

ترحيب إقليمي ودولي

ورحبت السعودية بالاتفاق، معتبرة أنه يُمثل تطورًا إيجابيًا يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية وتعزيز فرص الأمن والاستقرار في اليمن.

وقالت وزارة الخارجية السعودية إن الاتفاق يعزز الثقة بين الأطراف ويدعم جهود التهدئة، مشيدة بالدور الذي لعبته الأردن في استضافة المفاوضات، وبجهود مكتب المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

كما جددت الرياض تأكيد دعمها لجميع الجهود الرامية لتحقيق السلام والاستقرار في اليمن.

بدورها، رحبت الأردن بالاتفاق الذي تم التوصل إليه على أراضيها، مؤكدة استمرار دعمها للمساعي الأممية والعربية والدولية الرامية لتحقيق السلام.

وأشاد الناطق باسم الخارجية الأردنية، فؤاد المجالي، بجهود الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والأطراف اليمنية للوصول إلى الاتفاق الإنساني الأكبر منذ بداية الأزمة.

كذلك رحبت المملكة المتحدة بالاتفاق، واعتبرته خطوة إيجابية وملموسة للتخفيف من معاناة آلاف الأسر اليمنية، مثمنة جهود الأمم المتحدة والصليب الأحمر والسعودية، إضافة إلى الدور الذي لعبته كل من الأردن وسلطنة عُمان في دعم المفاوضات.

ودعت لندن جميع الأطراف إلى الالتزام بالتنفيذ الكامل للاتفاق، مطالبة بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين تعسفيًا، خصوصًا العاملين في المجال الإنساني.

أما الأمم المتحدة، فقد وصفت الاتفاق بأنه "اختراق كبير" في جهود الإفراج عن المحتجزين المرتبطين بالنزاع اليمني.

وقال نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، إن الاتفاق يُمثل أكبر صفقة تبادل منذ بداية الحرب، وجاء نتيجة مفاوضات مكثفة جرت برعاية أممية في الأردن.

ملف معقّد وجولات متعثرة

ويُعد ملف الأسرى والمحتجزين من أكثر الملفات تعقيدًا في الحرب اليمنية، بسبب تعثر تنفيذ اتفاقات التبادل الشاملة، واستمرار الخلافات بشأن القوائم والأسماء وآليات التنفيذ.

ومنذ توقيع اتفاق ستوكهولم عام 2018، الذي نص على الإفراج عن جميع الأسرى والمحتجزين وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، لم تتمكن الأطراف من تنفيذ الاتفاق بصورة كاملة، ولجأت بدلاً من ذلك إلى صفقات جزئية ومراحل متفرقة.

وعقدت اللجنة الإشرافية المعنية بملف الأسرى حتى الآن 11 جولة تفاوضية، كان آخرها الجولة التي اختتمت مؤخرًا في عمّان.

ولم تنجح من الجولات السابقة سوى جولتين فقط في الوصول إلى صفقات تبادل كبيرة؛ الأولى عام 2020 وشملت 1026 أسيرًا، والثانية عام 2023 وضمت نحو 800 أسير، فيما تمت عمليات تبادل أخرى عبر وساطات قبلية أو مبادرات أحادية.

ويأتي الاتفاق الجديد في ظل تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية التي يعيشها اليمن، ما منح الإعلان عنه بعد ثلاثة أشهر من المفاوضات أملاً جديدًا لدى اليمنيين بإمكانية تحقيق اختراقات أكبر في مسار العملية السياسية والسلام في البلاد، إذا ما واصلت الأطراف تقديم التنازلات والانخراط الجاد في الحوار، وفق ما يرى مراقبون.

 

المصدر: المهرية نت