ما وراء نهب الانتقالي المنحل معسكراً في شبوة بتواطؤ من المحافظ عوض بن الوزير؟

على وقع مشهد لا يزال ماثلاً في الأذهان منذ أحداث يناير الماضي في مدينة المكلا، تعود مؤشرات الانفلات الأمني لتطفو مجددًا، لكن هذه المرة من بوابة محافظة شبوة، حيث تكشف تطورات ميدانية متسارعة عن نمط مقلق من الانسحابات العسكرية المفاجئة، المصحوبة بفتح مخازن السلاح أمام النهب والتهريب، في ظل اتهامات بتواطؤ أطراف نافذة على رأسها محافظ شبوة عوض بن الوزير العولقي.
ففي خطوة أثارت الكثير من التساؤلات، انسحب العميد أصيل بن رشيد، قائد اللواء الرابع مشاه المقال، بشكل مفاجئ من معسكره في مدينة عزان، إلى جانب انسحاب قواته من عدد من النقاط الأمنية في مديرية ميفعة، بما في ذلك مناطق جول الريدة والخط الرابط بين شبوة وحضرموت.
هذا الانسحاب لم يكن مجرد إعادة تموضع عسكري، بل ترافق مع فتح أبواب المعسكرات، ما أتاح عمليات نهب واسعة طالت أسلحة ومعدات عسكرية.
ووفق وثيقة صادرة عن العمليات المشتركة، فإن كميات من العتاد العسكري المنهوب تم نقلها باتجاه منطقة رماه شمال حضرموت، وهي منطقة صحراوية مفتوحة قريبة من الحدود السعودية، ما يعزز فرضية وجود مسارات تهريب منظمة تتجاوز الإطار المحلي، وربما ترتبط بإعادة توزيع السلاح ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
تعطيل القرار
المعطيات الميدانية تتقاطع مع معلومات من مصادر خاصة لموقع "المهرية نت" تشير إلى أن القائد الجديد للواء صالح المنصوري، لم يتمكن من استلام مهامه حتى الآن، رغم صدور قرار رسمي بتعيينه مطلع مارس الماضي من قبل عضو مجلس القيادة الرئاسي أبو زرعة المحرمي.
ويُعزى ذلك، بحسب المصادر، إلى عرقلة متعمدة من قبل محافظ شبوة عوض بن الوزير العولقي، الذي لم يمارس أي ضغط لتنفيذ القرار، بل سمح للقائد السابق بالتموضع في مواقع بديلة داخل مدينة عزان.
هذا التعطيل المؤسسي يعكس، في نظر مراقبين، خللاً عميقًا في بنية القرار داخل المحافظة، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع الحسابات الأمنية، وتُستخدم أدوات الدولة لخدمة مراكز نفوذ موازية.
ورغم إعلان شرطة شبوة نشر قوات أمنية في المواقع التي أخلتها القوات المنسحبة، إلا أن هذا الانتشار جاء بتوجيه من المحافظ ذاته، ما يطرح تساؤلات حول جدية الإجراءات، خاصة في ظل وجود قوة تابعة للقائد الجديد لم تُمنح فرصة الانتشار أو استلام المواقع.
سلاح منفلت
المخاوف من تداعيات هذا الانفلات لا تتوقف عند حدود شبوة، إذ يحذر ناشطون من تكرار سيناريو المكلا، حيث أدى نهب السلاح إلى حالة من الفوضى الأمنية، رغم لاحقًا تمكن الأجهزة الأمنية من استعادة جزء منه.
غير أن الفارق في شبوة، بحسب هؤلاء، يكمن في السياق السياسي الأكثر تعقيدًا، والحديث عن إعادة ترتيب قوات المجلس الانتقالي بدعم إماراتي.
في هذا السياق، يرى رئيس ملتقى شبوة التوافقي، ربيع الخليفي في مداخله على قناة "المهرية" ، أن ما يجري في المحافظة لا يمكن فصله عن توجهات خارجية، مشيرًا إلى أن بعض القيادات المحلية، بما فيها المحافظ، تتحرك ضمن أجندة مرتبطة بأبوظبي. ويؤكد أن عملية سحب السلاح من المعسكرات لم تكن عشوائية، بل تمت وفق توجيهات مباشرة، وبطريقة منظمة أفرغت المعسكرات من محتواها، تاركة ما تبقى عرضة للنهب.
ويذهب الخليفي إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن السلاح المنهوب لم يُسرق بغرض البيع، بل جرى نقله إلى مواقع أخرى تمهيدًا لاستخدامه في صراعات داخلية محتملة، وهو ما يرفع منسوب القلق بشأن مستقبل الاستقرار في المحافظة.
شبوة في قلب معادلة الصراع
من جانبه، يقدم المحلل العسكري الدكتور علي الذهب قراءة أوسع للمشهد، معتبرًا أن ما يحدث في شبوة هو امتداد لتحولات بدأت منذ عام 2020، حين شهدت المحافظة إعادة تشكيل للقوى المحلية في سياق سياسي وأمني معقد.
ويشير إلى أن وصول المحافظ الحالي إلى السلطة تزامن مع ما وصفه بـ”تقويض بنية الدولة”، ما أفرز واقعًا هشًا تتنازع فيه مراكز قوى متعددة.
ويؤكد الذهب أن استمرار نفوذ المجلس الانتقالي داخل مفاصل القرار المحلي يعرقل جهود إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، محذرًا من أن هذا التعقيد قد يقود إلى مزيد من التدهور، ليس فقط في شبوة، بل في عموم المناطق المحررة.
كما يلفت إلى الأهمية الاستراتيجية للمحافظة، التي تمثل حلقة وصل بين شرق اليمن وغربه، وتحتضن بنية تحتية حيوية لقطاعي النفط والغاز، فضلًا عن إشرافها على خطوط بحرية حساسة.
هذا الموقع يجعل من أي اضطراب أمني فيها عامل تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي.
وفي مؤشر إضافي على اتساع رقعة الاضطراب، أشار الذهب إلى حادثة اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل شبوة، معتبرًا أنها تعكس ترتيبات خارجية لجعل امتداد الفوضى يصل من البر إلى البحر، ليوضح بأن إزاحة المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات سبب خلل أمني ويجعل الحكومة تبدو وكأنها بدون منظومة أمنية متماسكة قادرة على ضبط المشهد.
وفي السياق، كشف مصدر خاص لـ"المهرية نت" أن ناقلة النفط التي جرى اختطافها قبالة سواحل شبوة كانت في طريقها لتفريغ شحنة وقود في ميناء قنا، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الأنشطة الجارية في الميناء.
وبحسب المصدر ذاته، فإن محافظ شبوة عوض بن الوزير العولقي كان قد أعاد تشغيل الميناء رغم صدور قرار حكومي سابق بإغلاقه، في خطوة تُفسَّر على أنها تجاوز مباشر لقرارات السلطة المركزية، وتعكس استمرار إدارة ملفات حيوية بمعزل عن الأطر الرسمية.
في المحصلة، لا تبدو الفوضى التي تشهدها شبوة نتاج خلل عابر أو سوء إدارة ظرفي، بقدر ما تعكس – وفق مجمل المؤشرات – نمطًا من التواطؤ الذي سمح بتقويض مؤسسات الدولة من الداخل.
فتعطيل قرارات التعيين، وترك المعسكرات مفتوحة للنهب، وإعادة تموضع قيادات متمردة دون مساءلة، كلها معطيات تضع دور المحافظ عوض بن الوزير العولقي تحت دائرة الشك السياسي والأمني.
هذا الواقع يعزز فرضية أن ما يجري لا ينفصل عن أجندة أوسع يسعى من خلالها المجلس الانتقالي، بدعم إماراتي، إلى إعادة تشكيل موازين القوة في المحافظة، ولو على حساب الاستقرار الهش.
وبين غياب المحاسبة وتآكل القرار السيادي، تبقى شبوة مفتوحة على سيناريوهات أكثر تعقيدًا، حيث تتحول الفوضى من نتيجة إلى أداة، ومن خطر طارئ إلى وسيلة لإعادة رسم النفوذ.
المصدر: المهرية نت





