كيف تحوّل عوض بن الوزير من محافظ لشبوة النفطية إلى مهندس نفوذ مواز للدولة؟

لم تعد محافظة شبوة تعيش مجرد حالة اضطراب إداري أو اختلالات مرتبطة بأداء السلطة المحلية، بل باتت تقف على حافة تحوّل سياسي وأمني بالغ الخطورة، عنوانه الأبرز إعادة تشكيل مركز نفوذ موازٍ لمؤسسات الدولة، بقيادة المحافظ عوض بن الوزير العولقي، وبغطاء سياسي وأمني يتجاوز حدود الإدارة المحلية إلى مشروع إعادة هندسة المشهد بالكامل.
فخلال الفترة الأخيرة، تسارعت تحركات المحافظ بصورة لافتة، من رعاية ما سُمّي بـ"مؤتمر شبوة الشامل"، مرورًا بتوسيع نفوذه داخل المؤسسات المدنية والأكاديمية والإعلامية، وصولًا إلى إدارة ملفات اقتصادية حساسة—وفي مقدمتها ميناء قنا النفطي—بعيدًا عن الرقابة الحكومية المباشرة، وفي تحدٍ واضح لتوجيهات مجلس القيادة الرئاسي.
هذه التحركات، وفق مراقبين، لا تبدو منفصلة أو عشوائية، بل تأتي ضمن استراتيجية متكاملة تهدف إلى خلق كيان سياسي وأمني واقتصادي موازٍ، يعيد إنتاج مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي بأدوات جديدة وواجهات أقل صدامية، بعد حالة التراجع والارتباك التي أصابت المشروع الانفصالي في عدد من المحافظات الجنوبية، خصوصًا حضرموت والمهرة.
منصة سياسية أم إعادة تموضع؟
شكّل انعقاد "مؤتمر شبوة الشامل" نقطة التحول الأبرز في المشهد السياسي داخل المحافظة. فعلى الرغم من تقديم المؤتمر بوصفه فعالية مجتمعية وتنموية جامعة، إلا أن طبيعة الخطابات والرسائل السياسية التي خرجت منه كشفت سريعًا أن الأمر يتجاوز أي إطار محلي اعتيادي.
فالمؤتمر، الذي جرى برعاية مباشرة من المحافظ عوض بن الوزير، حمل في مضمونه مؤشرات واضحة على محاولة إعادة تجميع القوى المحسوبة على المجلس الانتقالي ضمن إطار جديد يحمل طابعًا قبليًا ومجتمعيًا، بهدف تجاوز حالة الرفض الشعبي والسياسي التي بات يواجهها المشروع الانتقالي في عدد من المناطق الجنوبية.
وبرز خلال المؤتمر خطاب سياسي يتسم بحدة غير مسبوقة تجاه المملكة العربية السعودية، الداعم الرئيسي للحكومة اليمنية الشرعية والتحالف العربي، وهو ما أثار موجة واسعة من التساؤلات حول طبيعة الرسائل التي أراد المحافظ تمريرها عبر هذه المنصة.
ويرى سياسيون أن السماح بتمرير خطابات تنتقد الرياض من داخل فعالية ترعاها السلطة المحلية لا يمكن اعتباره مجرد "هامش حرية"، بل يعكس تحولًا سياسيًا حساسًا في التموضع داخل شبوة، ومحاولة للضغط على السعودية في ظل الترتيبات السياسية والعسكرية الجارية في الجنوب.
ويعتقد هؤلاء أن المحافظ يحاول تقديم نفسه كزعيم محلي يمتلك هامشًا مستقلًا عن الشرعية والتحالف، مستفيدًا من حالة التشظي داخل القوى المناهضة للمجلس الانتقالي، ومن الفراغ السياسي الذي تعيشه المحافظات المحررة.
إعادة تدوير الانتقالي بواجهة جديدة
المؤشرات المتقاطعة القادمة من شبوة توحي بأن المحافظ لا يتحرك بوصفه مسؤولًا تنفيذيًا يدير شؤون المحافظة، بل باعتباره جزءًا من مشروع إعادة بناء النفوذ السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي بصورة أكثر مرونة.
وبحسب متابعين، فإن عوض بن الوزير يعمل منذ أشهر على إعادة تأهيل شخصيات وقيادات مرتبطة بالمجلس الانتقالي، عبر دمجها في كيانات قبلية ومجتمعية جديدة، لتخفيف العبء السياسي المرتبط باسم "الانتقالي" بعد الضربات التي تعرض لها المشروع في حضرموت والمهرة.
لكن اللافت، أن عملية "إعادة التدوير" هذه لا تمس البنية الأمنية والعسكرية القائمة، إذ ما تزال تشكيلات مسلحة واسعة النفوذ داخل شبوة تعمل خارج وزارتي الدفاع والداخلية، وتحافظ على ولائها لمراكز قوى غير خاضعة للدولة.
ويرى محللون أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى الحفاظ على جوهر المشروع العسكري والأمني، مع تغيير الغلاف السياسي فقط، بما يسمح بإعادة تقديمه داخليًا وخارجيًا بصورة أقل استفزازًا وأكثر قدرة على المناورة.
جامعة شبوة في ساحة الصراع
لم تقتصر محاولات التوسع السياسي على المجال الأمني أو القبلي، بل امتدت إلى المؤسسات المدنية والأكاديمية، وفي مقدمتها جامعة شبوة.
فقد أثارت مشاركة الجامعة في فعاليات "مؤتمر شبوة الشامل" موجة غضب داخل الأوساط الأكاديمية، دفعت عددًا من الأكاديميين وأساتذة الجامعة إلى إصدار بيان رفضوا فيه ما وصفوه بمحاولة تسييس المؤسسة التعليمية والزج بها في الصراعات السياسية.
ونبه البيان إلى أن إشراك الجامعة في فعاليات ذات طابع سياسي يمثل مخالفة واضحة للقوانين المنظمة للعمل الأكاديمي، ويحمل تهديدًا خطيرًا لاستقلالية المؤسسة الجامعية.
ويرى أكاديميون أن ما جرى يكشف عن اتساع نفوذ السلطة المحلية داخل المؤسسات المدنية، ومحاولة إخضاعها تدريجيًا لمعادلات الاستقطاب السياسي، بما يحول الجامعة من فضاء علمي مستقل إلى أداة تعبئة سياسية.
ويعكس هذا التطور، وفق مراقبين، طبيعة المشروع الجاري داخل شبوة، القائم على توسيع السيطرة على مختلف مفاصل المجال العام، وليس فقط المؤسسات الأمنية أو الاقتصادية.
إسكات الإعلام.. عزل العين الرقابية
ضمن التحركات التي أثارت جدلًا واسعًا، برزت حملة التضييق على قناة "المهرية"، التي تعرضت خلال الفترة الماضية لمنع وتقييد نشاطها داخل المحافظة.
ويرى ناشطون وإعلاميون أن ما جرى لا يمكن تفسيره كإجراء إداري عابر، بل يأتي ضمن سياسة تهدف إلى عزل الرقابة الإعلامية عن الملفات الحساسة التي تشهدها شبوة، خصوصًا ما يتعلق بإدارة الموارد النفطية والموانئ والتحركات العسكرية.
ويعتقد مراقبون أن استهداف وسائل الإعلام المستقلة يعكس رغبة متزايدة في إدارة المشهد داخل شبوة بعيدًا عن أي رقابة عامة أو مساءلة سياسية، خاصة مع تصاعد الاتهامات المتعلقة بوجود شبكات نفوذ تدير ملفات اقتصادية وأمنية خارج مؤسسات الدولة الرسمية.
كما يرى متابعون أن منع وسائل إعلامية من العمل داخل المحافظة يمثل مؤشرًا على انتقال السلطة المحلية من مرحلة "احتواء الإعلام" إلى مرحلة "إقصائه"، لضمان تمرير ترتيبات سياسية واقتصادية بعيدًا عن الضوء.
ميناء قنا.. الاقتصاد بوصفه أداة نفوذ
يُعد ملف ميناء قنا النفطي أخطر الملفات التي فجّرت الأزمة مؤخرًا، ليس فقط بسبب الجدل القانوني والإداري، بل لأن الميناء أصبح يعكس صراعًا عميقًا على النفوذ والثروة والقرار داخل الجنوب.
فبرغم وجود قرار صادر عن مجلس القيادة الرئاسي يقضي بإيقاف أنشطة عدد من الموانئ البحرية ضمن ترتيبات تنظيم استيراد الوقود ومنع التهريب والازدواج المالي، استمر ميناء قنا في استقبال سفن نفطية خلال الأشهر الماضية.
وتحدثت مصادر مطلعة عن وصول شحنات مشتقات نفطية جرى تفريغها وسط إجراءات وصفت بأنها غير خاضعة للرقابة المؤسسية الكاملة، وفي ظل غياب الشفافية بشأن آليات الاستيراد والتوزيع والتحصيل المالي.
وبحسب مصادر سياسية واقتصادية، فإن جزءًا من عائدات هذه العمليات يُستخدم في تمويل تشكيلات عسكرية لا تخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، في إشارة إلى قوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي داخل المحافظة.
كما أفادت مصادر بأن مجلس القيادة الرئاسي وجّه بفتح تحقيق مع المحافظ عوض بن الوزير، على خلفية إعادة تشغيل ميناء قنا ودخول ناقلات نفطية بصورة مخالفة للتوجيهات الرسمية.
وفي السياق ذاته، تحدثت تقارير عن دور إماراتي في دعم عمليات تشغيل الميناء عبر إرسال شحنات وقود تُستخدم—وفق المصادر—في تمويل شبكات وشخصيات موالية لأبوظبي داخل شبوة.
ويرى محللون أن خطورة الملف لا تكمن فقط في تشغيل الميناء خارج الإطار الحكومي، بل في تشكل اقتصاد موازٍ تديره مراكز نفوذ محلية، بما يهدد قدرة الدولة على التحكم بالموارد والسياسات المالية.
اقتصاد موازٍ وسوق خارج الدولة
التطور الأخطر، وفق مراقبين اقتصاديين، يتمثل في ظهور ملامح سوق نفطية موازية داخل شبوة، تقوم على استيراد وتوزيع المشتقات النفطية عبر شبكات مرتبطة بمراكز نفوذ سياسية وعسكرية.
ويحذر خبراء من أن هذا النمط من النشاط يفتح الباب أمام الاحتكار والمضاربة والتلاعب بالأسعار، فضلًا عن تعقيد قدرة الدولة على ضبط جودة الوقود والمعايير الفنية.
كما أن غياب الرقابة المؤسسية الكاملة يثير مخاوف متزايدة من تشكل شبكات مالية مغلقة تتحكم بعوائد النفط بعيدًا عن البنك المركزي وأجهزة الدولة المالية.
وتتقاطع هذه المعطيات مع تسريبات سياسية تتحدث عن تولي عوض بن الوزير إدارة شبكة التمويل الخاصة بالمجلس الانتقالي بعد تراجع دور قيادات بارزة داخله، ومحاولة إعادة بناء البنية المالية للمشروع بصورة جديدة.
صدام مؤجل مع الشرعية؟
التحركات الأخيرة دفعت، بحسب مصادر مطلعة، قيادة التحالف العربي إلى مطالبة محافظ شبوة بتوضيحات عاجلة بشأن أسباب إعادة تشغيل ميناء قنا بالمخالفة لتوجيهات مجلس القيادة الرئاسي.
لكن مراقبين يرون أن هذه التحركات ما تزال محدودة، ولم ترتقِ بعد إلى مستوى المواجهة الحقيقية مع مراكز النفوذ المتصاعدة داخل المحافظة.
ويعتقد سياسيون أن ما يجري في شبوة لم يعد مجرد خلاف إداري أو تضارب صلاحيات، بل يعكس خللًا عميقًا في بنية القرار داخل المحافظة، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والسياسية.
كما يرى متابعون أن تعطيل بعض قرارات التعيين، وترك معسكرات خارج السيطرة المؤسسية، وإعادة تموضع شخصيات وقوى مرتبطة بالمجلس الانتقالي دون مساءلة، كلها مؤشرات على وجود مشروع متكامل لإضعاف مؤسسات الدولة من الداخل.
شبوة.. مركز إعادة رسم النفوذ في الجنوب
ما يحدث اليوم في شبوة يتجاوز حدود المحافظة ذاتها. فالمشهد، وفق تقديرات سياسية، يرتبط بمحاولة إعادة تشكيل خارطة النفوذ في الجنوب بعد اهتزاز مواقع قوى كانت تبدو حتى وقت قريب صاحبة اليد العليا.
ويبدو أن شبوة، بما تمتلكه من ثروة نفطية وموقع استراتيجي وبنية قبلية معقدة، تحولت إلى الساحة الأنسب لإعادة إنتاج مشروع النفوذ الجنوبي بأدوات جديدة، تجمع بين الاقتصاد والسلاح والقبيلة والإدارة المحلية.
لكن هذا المسار، وفق مراقبين، يحمل في طياته مخاطر كبيرة، ليس فقط على استقرار شبوة، بل على مستقبل الدولة اليمنية نفسها، خصوصًا إذا استمرت مراكز النفوذ المحلية في إدارة ملفات استراتيجية بمعزل عن مؤسسات الشرعية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو شبوة اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما العودة إلى إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية، أو الانزلاق نحو نموذج سلطة موازية تمتلك المال والسلاح والإدارة والإعلام، لكنها تعمل خارج النظام الوطني الجامع.
وحتى الآن، لا تبدو الإجابة واضحة، لكن المؤكد أن ما يجري في شبوة لم يعد مجرد أزمة محلية عابرة، بل فصل جديد من الصراع على شكل الدولة اليمنية، ومن يملك القرار فيها، ومن يدير ثرواتها ومستقبلها السياسي.
المصدر: المهرية نت





