عوض بن الوزير .. بين الولاء للإمارات وتهديد ما تبقى من سلطة الدولة في شبوة

لا يمكن قراءة صعود الزعيم القبلي المثير للجدل عوض بن الوزير العولقي بمعزل عن السياق الأوسع للحرب اليمنية، والتحولات العميقة التي أعادت رسم خارطة النفوذ في المحافظات الجنوبية، وعلى رأسها محافظة شبوة.
فالرجل، الذي بدأ مسيرته نائبًا برلمانيًا عن الدائرة 134 بمحافظة شبوة وعضوًا في المؤتمر الشعبي العام، لم يكن حاضرًا بفاعلية في المشهد السياسي قبل الحرب، لكنه عاد لاحقًا كلاعب محوري في واحدة من أكثر المحافظات تعقيدًا من حيث التداخل بين القبيلة والسياسة والتدخلات الإقليمية في المشهد اليمني.
خلال سنوات ما قبل الحرب، لم يُسجّل لابن الوزير حضور تنموي أو خدمي بارز في دائرته الانتخابية، كما لم يُعرف له موقف سياسي واضح خلال أحداث 2011، ما جعله خارج دوائر التأثير المباشر. غير أن التحولات التي أعقبت اندلاع الحرب، خصوصًا بعد تدخل التحالف بقيادة السعودية والإمارات، فتحت المجال أمام بروز شخصيات جديدة أو إعادة تدوير أخرى، كان من بينها عوض بن الوزير.
تنقّل الرجل بين عدة عواصم، قبل أن يستقر في أبوظبي، حيث بدأت ملامح دوره الجديد بالتشكل، في سياق إقليمي يسعى لإعادة هندسة موازين القوى المحلية في اليمن. وتزامن ذلك مع اتهامات متكررة له بإدارة الملفات القبلية بأسلوب غير حاسم، ما ساهم –وفق مراقبين– في تغذية النزاعات والثأرات داخل شبوة، بدل احتوائها.
في المقابل، تثير بعض الوقائع خلال سيطرة الحوثيين على أجزاء من شبوة عام 2015 تساؤلات حول طبيعة علاقاته المتشابكة، إذ تشير روايات محلية إلى تلقيه دعمًا ماليًا لمواجهة الحوثيين دون نتائج ملموسة، بالتوازي مع ملاحظات حول عدم استهداف منزله، في وقت طالت فيه التفجيرات منازل مشايخ آخرين، وهي مؤشرات عززت الشكوك لدى خصومه حول طبيعة تموضعه في تلك المرحلة.
قادمًا على ظهر مدرعة إماراتية
التحول الأبرز في مسيرة ابن الوزير جاء نهاية عام 2021، حين صدر قرار رئاسي بإقالة محافظ شبوة محمد صالح بن عديو، وتعيين عوض بن الوزير العولقي خلفًا له، في خطوة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها نتيجة ضغوط إقليمية، خاصة بعد تصاعد الخلاف بين بن عديو والإمارات على خلفية مطالبته باستئناف تشغيل منشأة بلحاف وخروج القوات الإماراتية منها.
مثّلت عودة ابن الوزير إلى شبوة، بعد أكثر من عقد من الغياب، نقطة تحول مفصلية في مسار المحافظة، حيث تزامنت مع إعادة ترتيب موازين القوى المحلية، وصعود نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبوظبي. وفي هذا السياق، لم تكن تحركاته مجرد عودة إدارية، بل جزءًا من ديناميكيات أوسع لإعادة تشكيل السلطة في الجنوب، عبر أدوات مدعومة خارجيًا.
بلغت هذه التحولات ذروتها في أغسطس 2022، عندما اندلعت مواجهات عنيفة في مدينة عتق بين القوات الحكومية وقوات موالية للمجلس الانتقالي، انتهت بسيطرة الأخيرة على المدينة، بدعم مباشر من الطيران الإماراتي. لعب ابن الوزير دورًا محوريًا في هذه المواجهات، التي أعادت رسم خريطة السيطرة في شبوة، وأخرجت المحافظة فعليًا من إطار نفوذ الحكومة الشرعية.
المعركة لم تكن مجرد صراع عسكري، بل مثلت لحظة فاصلة في انتقال السلطة من مؤسسات الدولة إلى كيانات مدعومة إقليميًا، حيث أعقبها تثبيت واقع جديد على الأرض، شمل عمليات دهم لمنازل الخصوم، وإعادة توزيع مراكز القوة داخل المدينة. كما أُثيرت انتقادات واسعة لطبيعة العمليات العسكرية، خاصة ما يتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة في مناطق سكنية، وما خلفته من آثار إنسانية.
في هذا السياق، يمكن فهم صعود عوض بن الوزير كجزء من ظاهرة أوسع في اليمن، تتمثل في تراجع دور الدولة المركزية، وصعود الفاعلين المحليين المرتبطين بشبكات إقليمية. فالرجل لا يتحرك فقط كزعيم قبلي أو مسؤول محلي، بل كحلقة في منظومة نفوذ معقدة، تتقاطع فيها المصالح الشخصية مع الأجندات الإماراتية.
هل يقود عوض بن الوزير عودة النفوذ الانفصالي؟
في ظل التحولات المتسارعة التي شهدتها المحافظات الجنوبية مؤخرًا، تبرز محافظة شبوة كواحدة من أهم ساحات إعادة تشكيل النفوذ السياسي والعسكري، خصوصًا مع تراجع حضور المجلس الانتقالي الجنوبي في بعض المراحل، ومحاولاته اللاحقة لإعادة التموضع عبر أدوات محلية. وفي هذا السياق، يبرز اسم عوض بن الوزير العولقي كأحد أبرز الفاعلين المرتبطين بهذه التحولات، بوصفه جزءًا من شبكة نفوذ أوسع مدعومة من أبوظبي.
منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى مدينة عتق، حملت عودة ابن الوزير دلالات سياسية تتجاوز الإطار الإداري. فقد جاء دخوله على متن مدرعة إماراتية، في مشهد اعتبره مراقبون رسالة واضحة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، واتجاهاتها، وما قد تتضمنه من إعادة صياغة لموازين القوى داخل المحافظة، وسط مخاوف من تهميش قوى محلية ذات توجه وطني.
غير أن هذه المؤشرات المبكرة اصطدمت بواقع قبلي معقد، يفرض توازناته الخاصة على أي سلطة قائمة. فشبوة، بتكوينها الاجتماعي المتشابك، لا تسمح بتمرير تحولات جذرية بشكل سريع، ما دفع المحافظ الجديد إلى التريث، وإعادة ترتيب أولوياته بما يتلاءم مع طبيعة البيئة المحلية، التي تتسم بحساسية عالية تجاه أي اختلال في ميزان القوى.
لكن مع مرور الوقت، بدأت ملامح توجهات عوض بن الوزير تتكشف بشكل أوضح، من خلال جملة من القرارات والمواقف التي فُسرت على أنها تتماهى مع أجندات المجلس الانتقالي الجنوبي، خاصة في ظل التحركات المتزامنة في عدد من المحافظات الجنوبية، مثل عدن وحضرموت، والتي عكست –بحسب مراقبين– محاولة لإعادة توسيع نطاق النفوذ العسكري والسياسي للقوى المدعومة إماراتيًا.
وفي هذا الإطار، شهدت شبوة خلال الفترة الأخيرة نشاطًا متزايدًا لعناصر محسوبة على المجلس الانتقالي، بالتوازي مع تحركات مشابهة في محافظات أخرى، ما يعكس نمطًا من إعادة الانتشار المنظم، يهدف إلى إعادة إنتاج مراكز نفوذ جديدة أو استعادة ما فُقد منها سابقًا.
وتشير قراءات محلية إلى أن إدارة السلطة في شبوة خلال هذه المرحلة اتجهت نحو تضييق مساحة العمل أمام بعض المكونات السياسية ذات الطابع الوطني، وفي مقدمتها “مجلس شبوة الوطني”، مقابل إتاحة هامش أوسع لتحركات قوى لا تتبنى مشروع الدولة المركزية. وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة التوازن السياسي داخل المحافظة، ومدى حيادية السلطة المحلية بقيادة عوض بن الوزير في إدارة التعددية السياسية.
شبوة بين استعادة الدولة وترسيخ نفوذ القوى الموازية
تبدو محافظة شبوة اليوم أمام مرحلة معقدة من إعادة التشكل، حيث تتداخل اعتبارات الدولة مع حسابات النفوذ الإقليمي، في مشهد يعكس هشاشة التوازنات السياسية والعسكرية. وفي قلب هذه التحولات، يبرز عوض بن الوزير العولقي كفاعل محوري، تتحرك من خلاله ديناميكيات إعادة ترتيب المشهد المحلي، وسط مؤشرات متباينة حول طبيعة تموضعه وحدود استقلال قراره.
ورغم الحديث عن تراجع نسبي لحضور المجلس الانتقالي الجنوبي في بعض الفترات، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار نفوذه عبر أدواته العسكرية، وعلى رأسها قوات “دفاع شبوة”، التي لا تزال تسيطر على مواقع استراتيجية داخل المحافظة.
هذا التمركز العسكري، المترافق مع غياب قوات “درع الوطن”، يعزز من فرضية بقاء ميزان القوة مختلًا لصالح قوى بعينها، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة السلطة المحلية على إعادة بناء توازن مؤسسي فعلي.
في مطلع العام الجاري، كشف المحافظ عوض بن الوزير عن إغلاق مكتب المجلس الانتقالي في شبوة، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لامتصاص الضغوط السياسية أكثر من كونها تحولًا حقيقيًا في الموقف. هذا التفسير تعززه تصريحات المحافظ ذاتها، التي أكد فيها أن الوضع الأمني في المحافظة “مستتب”، وأنها لا تحتاج في الوقت الراهن إلى انتشار قوات “درع الوطن”، معتبرًا أن أولويات هذه القوات يجب أن تتجه نحو مناطق أخرى أكثر احتياجًا.
وفي مقابلة مع قناة “الإخبارية” السعودية، أوضح ابن الوزير أن الأجهزة الأمنية القائمة، بما فيها قوات “دفاع شبوة”، تقوم بدورها في حفظ الأمن داخل عتق، وهو ما يعكس اعترافًا ضمنيًا ببقاء هذه القوات كقوة مهيمنة على الأرض، رغم الجدل السياسي حول تبعيتها وأدوارها.
هذا الواقع يتعزز بانتشار واسع لتلك القوات في مواقع حساسة، من بينها منشأة بلحاف لتصدير الغاز، التي تُعد واحدة من أهم المنشآت الاقتصادية في اليمن، إلى جانب تمركزها في منطقة “العقلة” النفطية، التي تمثل ثاني أكبر الحقول النفطية في البلاد، فضلًا عن سيطرتها على قاعدة “مرة” العسكرية في عتق، وهي من أكبر القواعد العسكرية في اليمن.
هذا الانتشار يمنح هذه القوات نفوذًا مركبًا، يجمع بين البعد العسكري والاقتصادي، ويجعل أي محاولة لإعادة ترتيب المشهد دون التعامل مع هذا الواقع أمرًا بالغ التعقيد.
في المقابل، يرى مراقبون أن استمرار هذا الوضع يفتح الباب أمام إعادة إنتاج حالة من الهشاشة السياسية والأمنية، خاصة مع مؤشرات على تحركات لقوى مرتبطة بالمجلس الانتقالي في عدد من المحافظات الجنوبية، في سياق يبدو أقرب إلى إعادة التموضع وإعادة ترتيب الأوراق، بما يخدم مصالح داعميها الإقليميين.
كما يثير بقاء عوض بن الوزير على رأس السلطة المحلية تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، في ظل ارتهانه وارتباطه بأجندات خارجية، ومخاوف من أن تتحول شبوة إلى منصة لإعادة تشكيل نفوذ يتجاوز حدود المحافظة، ويمتد إلى التأثير في مسار الدولة اليمنية ككل.
في المحصلة، تقف شبوة عند مفترق طرق حاسم: بين خيار استعادة الدولة لمؤسساتها وسيادتها، وخيار استمرار تعدد مراكز القوة وتغوّل الفاعلين غير الرسميين. وبين هذين المسارين، تظل المحافظة ساحة مفتوحة لاحتمالات متعددة، تتحدد مآلاتها بمدى قدرة القوى الوطنية على إعادة التوازن، أو استمرار خضوع القرار المحلي لحسابات الخارج.
المصدر: المهرية نت





