آخر الأخبار

عودة الاغتيالات إلى عدن.. هل يوقف دمج التشكيلات العسكرية سفك الدماء؟

عودة الاغتيالات إلى عدن.. هل يوقف دمج التشكيلات العسكرية سفك الدماء؟
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

بينما بدأت حالة من التفاؤل تسود الشارع العدني بعودة الدولة عادت موجة الاغتيالات من جديد لتضرب هدوء المدينة، مرسلةً حالةً من القلق والارتباك في أروقة السلطة والشارع على حد سواء. 

هذه العودة يصفها مراقبون بأنها ناقوس خطر يضرب بعنف جدار الشرعية، ويكشف عن ثقوب أمنية لا تزال قوى المجلس الانتقالي المنحل المتربصة بالدولة تستغلها لإبقاء المدينة في حالة استنزاف دائم وفراغ سيادي مستمر.

ويثير هذا المشهد القاتم تساؤلًا جوهريًا حول جدوى التشظي الأمني في عدن وتعدد الولاءات وتفتت الفصائل؛ التي حولت الجدار الأمني إلى "خاصرة رخوة" تسمح للجريمة السياسية بالمرور في وضح النهار.

محللون وناشطون حقوقيون يرون أن  المسؤولية اليوم تقع على عاتق الحكومة المعترف بها دوليًا؛ فالمسألة لم تعد تحتمل ترميم الشقوق، بل تتطلب ثورة هيكلية شاملة لا تسمح بإعادة تدوير مرتكبي الجرائم.

فشل أمني واختراق سياسي

بهذا الشأن قال الناشط الحقوقي، رياض الدبعي، أن عدن تعيش اليوم حالة من الفشل الأمني الذريع، مؤكدًا أن المخرج الوحيد لتجاوز هذا الوضع يكمن في الدمج الفوري لكافة التشكيلات العسكرية تحت قيادة أمنية موحدة تتبع الحكومة الشرعية وغرفة عمليات مركزية واحدة.

وأوضح الدبعي في تصريح خاص للمهرية نت أن بناء منظومة أمنية موثوقة يتطلب معايير صارمة، في مقدمتها عدم تدوير القيادات المتورطة في انتهاكات سابقة لحقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن التعويل على قيادات عسكرية تدين بالولاء لفصائل سياسية أو جهوية بدلاً من الوطن، يجعل من المستحيل تحقيق العدالة أو ضبط الجناة في قضايا الاغتيالات.

لا لتدوير المنتهكين 

وتابع الدبعي: لا يمكن لمسؤول متهم بانتهاكات فظيعة أو يتبع فصيلاً بقرار مستقل أن يكون مؤهلاً لضبط الأمن أو ملاحقة القتلة والمجرمين؛ فكثرة الفصائل المسلحة وتعدد مراكز القرار هي النتيجة المباشرة والسبب الرئيسي للفشل الأمني الراهن.

وأكد أن اغتيال وسام قائد هو اختراق سياسي بثوب أمني؛ وهذه الجريمة هي اغتيال للأمل والروح لدى الشباب اليمني كما أنها تمثل اغتيالًا سياسيًا بامتياز؛ محذرًا من أن الانقسام داخل المؤسسة العسكرية في عدن جعلها "خاصرة رخوة" يسهل اختراقها من قبل الأطراف المعادية.

مسؤوليات غائبة وقيادات تحت المجهر

وانتقد الدبعي أداء السلطة المحلية والأجهزة الأمنية في عدن، خاصة مع تسجيل حالتي اغتيال خلال عشرة أيام فقط، مطالبًا بمراجعة شاملة وقرارات جريئة تعيد الثقة للمواطن، مشددًا في الوقت ذاته على ضرورة معالجة وضع الفصائل التابعة للانتقالي، وذلك باتباع إستراتيجية التجريد من السلاح مقابل الاستيعاب السياسي.

وقال: نتفهم رغبة الحكومة في عدم تكرار أخطاء عام 94 وتجنب تسريح الأفراد لتفادي خلق أزمات سياسية جديدة، ولكن كان يجب أولاً تجريد هذه القوى من سلاحها وإخضاعها للقرار الوطني قبل دمجها سياسيًا لضمان استقرار المؤسسات العسكرية ومنع تحول السلاح إلى أداة لزعزعة الأمن. 

هشاشة الميدان وتآكل الثقة

في السياق قال المحلل السياسي، موسى المقطري إن الاغتيالات في عدن تعكس هشاشة الوضع الأمني في المدينة، وتراجع قدرة الأجهزة المعنية على فرض السيطرة الميدانية، مشيرًا إلى أن الحديث المتداول عن إعادة ترتيب المشهد الأمني لا يعكس الواقع بدقة، في ظل استمرار حالة الانفلات وإمكانية تحرك المنفذين بحرية، حتى في وضح النهار، معتبرًا هذه العمليات تحمل أيضًا رسائل مباشرة مفادها أن هناك أطرافًا لا تزال قادرة على التأثير في المشهد الأمني وفرض أجنداتها في العاصمة المؤقتة عدن والمناطق المجاورة.

وأضاف المقطري، في تصريح للمهرية نت، أن التعاطي مع هذا الملف يفترض أن يتم بدرجة عالية من اليقظة والمسؤولية، من خلال إعادة هيكلة المنظومة الأمنية بشكل جذري، وعدم الاكتفاء بإجراء تغييرات شكلية تقتصر على تبديل القيادات أو إعادة تدوير الأفراد المتورطين في انتهاكات سابقة.

وشدّد على أن المرحلة الراهنة، بما تحمله من متغيرات، تستوجب إبعاد العناصر التي ارتبطت بسجل من الإخفاقات والانتهاكات، مع التأكيد أن ذلك لا يعني الانتقام، بل يندرج في إطار بناء مؤسسة أمنية قادرة على أداء مهامها بكفاءة.

وأشار إلى أن استمرار هذه الاغتيالات يترك تداعيات سلبية عميقة على مستوى ثقة المواطنين بالحكومة، وقدرتها على تأمين عدن، وهو ما ينعكس بدوره على حجم الدعم الشعبي والتعاون معها، محذراً من أن تآكل هذه الثقة يضعف موقف الحكومة ويقلص من قدرتها على حشد التأييد في مواجهة التحديات.

وأوضح المقطري أن محافظ عدن، بوصفه رأس الهرم التنفيذي في المحافظة وممثل السلطة العليا فيها، لذا فهو يتحمل المسؤولية الأكبر في إدارة الملف الأمني، وغياب التحرك الفاعل أو المواقف العلنية الواضحة التي تبيّن للرأي العام الإجراءات المتخذة للحد من هذه الظاهرة، يعطي انطباعًا بابتعاده عن صلب المشهد، رغم أن موقعه يفرض عليه التواجد في قلبه.

ووجّه المقطري انتقادات للمجلس الانتقالي، معتبراً أن الممارسات السابقة المنسوبة إليه خلّفت آثاراً سلبية على مختلف المستويات، ما جعله غير مؤهل لتولي إدارة الملف الأمني بصيغته الحالية.

وأكد ضرورة إعادة تقييم أوضاع التشكيلات المرتبطة به، وإعادة دمجها ضمن أطر جديدة تضمن عدم تكرار الانتهاكات، مشدداً على أن الاعتماد على قوى سبق اتهامها بإشاعة الفوضى الأمنية لا يمكن أن يفضي إلى استقرار حقيقي.

كما أكّد المقطري على أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الحكومة الشرعية، باعتبارها الجهة المعترف بها والمناط بها ضبط الأوضاع، داعيًا إلى اتخاذ إجراءات حازمة لإعادة بناء المنظومة الأمنية ومنع عودة الأطراف الساعية للانتقام والتأثير في المشهد.

الأمن بوابة النجاح أو الفشل

بدوره أكد المحلل السياسي، الدكتور فارس البيل أن نجاح الحكومة في ملفات الاقتصاد والخدمات وتوحيد القوى يظل رهينًا بمدى قدرتها على حسم الانفلات الأمني، مشيرًا إلى أن التحرك السريع للأجهزة الأمنية في الحوادث الأخيرة يعد إشارة إيجابية، إلا أن الواقع يحتم توحيد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وتفعيل أجهزة الضبط والقضاء بشكل عاجل، لقطع الطريق أمام القوى التي تستثمر في هشاشة الوضع لإرباك البنية السياسية للدولة".

وأكد البيل على أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق الحكومة وأجهزتها، مطالبًا بضرورة اعتماد مبدأ الشفافية وكشف الجناة للرأي العام، أما تقييد هذه الجرائم ضد مجهول سيُعد فشلاً ذريعًا للحكومة، بينما يمثل كشف المخططات قبل وقوعها وتقديم الجناة للعدالة العاجلة شهادة نجاح حقيقية لها.

ودعا الدكتور البيل إلى إستراتيجية أمنية تقوم على التنقية والتدقيق، وإجراء عملية محاسبة وتفتيش داخل الأجهزة الأمنية لاستبعاد العناصر الفاشلة أو المخترقة؛ وكذلك التوحيد الهيكلي بإنهاء حالة التفتت والولاءات المتعددة، وإخضاع كافة القوى لسلطة القانون والقرار الوطني الموحد.

واختتم البيل تصريحه بقوله إن المشكلة لن تنتهي بمجرد عزل محافظ أو الإتيان بآخر؛ لكن الحل يكمن في بناء منظومة أمنية محترفة تمتلك الإرادة والقانون، فبدون أمن وطني موحد ستظل عدن ساحة للتصفيات، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الثقة الشعبية وتهديد وجود الحكومة ذاتها.

المصدر: المهرية نت