آخر الأخبار

تصعيد يمني وإقليمي.. معارك داخلية وهجمات حوثية على السعودية

تصعيد يمني وإقليمي.. معارك داخلية وهجمات حوثية على السعودية
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

تدخل المواجهات العسكرية في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع رقعة المعارك بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين في أربع محافظات هي تعز ولحج ومأرب والجوف، بالتزامن مع استمرار الهجمات الحوثية على العمق السعودي، وتصاعد التوترات الإقليمية في مضيق هرمز، في مشهد تتشابك فيه الجبهات اليمنية مع حسابات الصراع الإقليمي وأمن الممرات الاستراتيجية.

وعلى امتداد خطوط التماس، تتواصل العمليات العسكرية وسط محاولات متبادلة لتحقيق اختراقات ميدانية. ففي محافظة لحج، تحدثت مصادر ميدانية عن تمكن القوات الحكومية من استعادة مواقع في جبهة المضاربة، فيما استهدفت غارة جوية تعزيزات عسكرية للحوثيين في مديرية المقاطرة.

وفي محافظة الجوف، برزت تحركات القوات الحكومية باعتبارها أبرز التطورات العسكرية خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع استمرار المواجهات في مأرب، حيث تمكنت القوات من التصدي لهجمات حوثية في جبهة رغوان. أما في تعز، فتتواصل المعارك على عدد من خطوط التماس، وسط محاولات حوثية للضغط على مواقع القوات الحكومية.

ولا تقتصر تداعيات المواجهات على الجانب العسكري، إذ تتفاقم الأوضاع الإنسانية في مدينة تعز المحاصرة، مع استمرار معاناة السكان ونقص الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الأدوية والمستلزمات الطبية، في ظل عجز الجهود الدولية عن إحداث اختراق ملموس ينهي معاناة المدنيين.

هجمات حوثية تطال العمق السعودي

بالتوازي مع المعارك الداخلية، وسعت جماعة الحوثيين نطاق هجماتها باتجاه الأراضي السعودية، في تصعيد نقل المواجهة إلى مستوى أكثر حساسية، مع استهداف منشآت حيوية ومواقع استراتيجية داخل المملكة.

وأعلن التحالف اعتراض وتدمير عدة صواريخ باليستية وطائرات مسيرة أُطلقت باتجاه العاصمة الرياض والمنطقتين الشرقية والجنوبية.

وفي تطور لافت، أكدت وزارة الطاقة السعودية تعرض مبنى تابع لشركة أرامكو في الرياض لأضرار مادية محدودة جراء سقوط شظايا، دون تسجيل إصابات بشرية.

من جانبه، أعلن الناطق العسكري باسم الحوثيين استهداف مطار الملك خالد الدولي ومنشآت تابعة لأرامكو والمركز المالي السعودي في الرياض، في خطوة تعكس اتساع نطاق الأهداف التي تضعها الجماعة ضمن عملياتها العسكرية.

وتثير هذه الهجمات تساؤلات بشأن الأهداف السياسية والعسكرية التي تسعى الجماعة إلى تحقيقها من خلال نقل المواجهة إلى العمق السعودي، خصوصاً في ظل ارتباط التصعيد بمسار التفاهمات السابقة بين الرياض والحوثيين ومستقبل التسوية السياسية في اليمن.

الحوثيون قد يركزون على الجبهة السعودية

وفي قراءة لاتجاهات التصعيد، رجّح المحلل السياسي عبدالغني الإرياني، في تصريح لقناة «المهرية»، أن تتجه جماعة الحوثيين خلال الأسابيع المقبلة إلى تكثيف عملياتها على الجبهة السعودية، بدلاً من التركيز على جبهة تعز، في ظل تعثر تحقيق اختراقات عسكرية داخلية بالسرعة التي كانت تسعى إليها.

وقال الإرياني إن الحوثيين لم يتمكنوا خلال الأسابيع الماضية من تحقيق تقدم سريع، رغم أن احتمالات إحداث اختراقات لا تزال قائمة، مشيراً إلى وجود فارق كبير في الكفاءة العسكرية بين القوات الحكومية والقوات الحوثية.

وأوضح أن الجماعة تسعى، وفق تقديره، إلى استخدام التصعيد العسكري ضد السعودية وسيلة للضغط عليها من أجل العودة إلى التفاهمات الأولية التي جرى التوصل إليها عام 2023، والتي قال إنها كانت تمنح الحوثيين امتيازات سياسية كبيرة تصل عملياً إلى تسليمهم السلطة في اليمن.

وأضاف أن صمود المواطنين في تعز جعل التوجه نحو الجنوب أقل جاذبية بالنسبة للحوثيين، مرجحاً أن تكون جبهتا نجران والربوعة من أبرز الخيارات العسكرية التي قد تلجأ إليها الجماعة لإحراج الرياض وزيادة الضغوط عليها.

من جانبه، انتقد الدكتور السعودي علي الهيل، أستاذ السياسة والإعلام والباحث في الشأن الحوثي، تصاعد العمليات العسكرية في اليمن والهجمات الحوثية على السعودية، محذراً من تداعيات استمرار المواجهة على المدنيين وأمن المنطقة.

وقال الهيل، في تصريحات لقناة «المهرية» ضمن برنامج «التاسعة»، إن ما لفت انتباهه خلال الفترة الماضية هو احتدام المعارك واتساعها في تعز ومأرب والجوف والمخا وذباب المطلة على باب المندب، بالتزامن مع تفاقم الأوضاع الإنسانية في مدينة تعز المحاصرة.

وأشار إلى أن المدنيين، خصوصاً الأطفال والنساء والمرضى، يدفعون الثمن الأكبر لاستمرار الحرب، منتقداً غياب الاهتمام الكافي بمعاناتهم من أطراف الصراع، ومؤكداً أن الأوضاع الإنسانية وصلت إلى مستويات صعبة مع نفاد الأدوية من المدينة.

وأضاف أن مناشدات اليمنيين للمجتمع الدولي لم تسفر عن تحرك فاعل، معتبراً أن المواقف الدولية تجاه الأزمة اليمنية لا تختلف كثيراً عن تعاملها مع أزمات إنسانية أخرى في المنطقة.

وفيما يتعلق بالهجمات الحوثية على السعودية، وصف الهيل تلك الاعتداءات بأنها غير مبررة، مشيراً إلى وجود موقف خليجي موحد داعم للإجراءات التي قد تتخذها المملكة لصد الهجمات.

وقال إن استهداف المنشآت السعودية الحيوية، بما فيها مطار الملك خالد الدولي ومنشآت أرامكو والمركز المالي، لا يخدم مصالح اليمنيين أو الحوثيين، مؤكداً أن استنزاف السعودية ينعكس سلباً على المنطقة بأكملها، وأن المنشآت النفطية تمثل مصالح اقتصادية تتجاوز حدود المملكة.

وأضاف أن على الحوثيين وقف الهجمات على الأراضي السعودية، محذراً من أن استمرار استهداف المنشآت الحيوية يفاقم المواجهة ويزيد من تعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية.

وفي تقييمه لجهود الوساطة الدولية، أبدى الهيل تشكيكاً في قدرة الأمم المتحدة على إحداث اختراق حقيقي في الأزمة اليمنية، معتبراً أن الدعوات المتكررة إلى التهدئة وضبط النفس لم تتحول إلى إجراءات عملية تنهي الحرب أو تخفف معاناة السكان.

وتساءل عن حصيلة تحركات المبعوثين الأمميين خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن اليمنيين لم يلمسوا نتائج ملموسة تتناسب مع حجم الزيارات واللقاءات والوعود الدولية.

كما انتقد ما وصفه بغياب الفاعلية الأوروبية والأمريكية في التعامل مع الحرب اليمنية، رغم استمرار المعارك وتجاوز بعض الهجمات حدود البلاد، لافتاً إلى أن أكثر من 23 مليون يمني يعانون أوضاعاً إنسانية ومعيشية صعبة.

وفي السياق ذاته، طرح الهيل تساؤلات بشأن عجز الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عن حسم المواجهة مع الحوثيين، رغم الحديث المتكرر عن عمليات عسكرية واسعة واستهداف مواقع الجماعة، مشيراً إلى استمرار امتلاك الحوثيين قدرات صاروخية وطائرات مسيرة تمكنهم من استهداف مطارات ومنشآت داخل اليمن والسعودية.

وأكد أن استمرار الهجمات الحوثية وما يقابلها من ردود عسكرية يضع المنطقة أمام دائرة متواصلة من التصعيد، داعياً الجماعة إلى وقف استهداف المملكة، معتبراً أن الرد السعودي يأتي في سياق مواجهة الاعتداءات التي تتعرض لها.

تفاهمات واشنطن وطهران.. انعكاسات محتملة على اليمن

وعلى المستوى الإقليمي، ربط المحلل السياسي عبدالغني الإرياني مستقبل التصعيد في اليمن بمآلات المواجهة الأمريكية الإيرانية، معتبراً أن فرص استمرار العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران تراجعت في ضوء التطورات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة.

وأشار إلى المواقف الرافضة لاستمرار الحرب داخل الإدارة الأمريكية، ومنها تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس بشأن موقف الناخبين الأمريكيين من المواجهة، مرجحاً أن يؤدي الانتقال إلى التفاهم بين واشنطن وطهران إلى تهدئة نسبية في المنطقة.

ورأى الإرياني أن أي تفاهم أمريكي إيراني محتمل قد ينعكس على الساحة اليمنية، ويدفع باتجاه خفض التصعيد في جبهات القتال، وربما يهيئ الظروف لاستئناف العملية السياسية، في حال توافرت إرادة إقليمية ودولية لاحتواء الصراع.

مسقط تتحرك لاحتواء التصعيد

وفي خضم التطورات العسكرية، تواصل سلطنة عمان تحركاتها الدبلوماسية لاحتواء التوترات ومنع اتساع المواجهة.

والتقى وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، الأحد، المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ في مسقط، حيث بحث الجانبان مستجدات الأزمة اليمنية وتداعيات التصعيد على أمن المنطقة، إلى جانب الجهود الرامية إلى خفض المواجهات وتهيئة الظروف لاستئناف المسار السياسي.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الجهود الأممية تحديات متزايدة، بفعل استمرار العمليات العسكرية وتداخل الملف اليمني مع التوترات الإقليمية، خصوصاً المواجهة المرتبطة بإيران ومضيق هرمز.

الجوف ومأرب مقدمة لتطورات عسكرية أكبر

في المقابل، تتمسك الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بالخيار العسكري، وتؤكد أن التحركات الميدانية الأخيرة تأتي في إطار معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين.

وقال مسؤول في الحكومة، فضل عدم الكشف عن هويته، في تصريح لـ«المهرية نت»، إن القوات المسلحة اليمنية عازمة على تحرير البلاد من جماعة الحوثيين، معتبراً أن الحديث عن الوساطات والتهدئة يمثل، بحسب وصفه، محاولات متكررة لإنقاذ الجماعة ومنحها فرصة جديدة لإعادة ترتيب صفوفها.

وأضاف أن ما تشهده جبهتا الجوف ومأرب ليس سوى مقدمات لتطورات عسكرية كبيرة خلال الأيام المقبلة، مؤكداً استمرار التوجه الحكومي نحو استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وتعكس هذه التصريحات تمسك الحكومة بخيار الحسم العسكري، مقابل مساعٍ إقليمية ودولية لإعادة إحياء المسار السياسي، في ظل غياب مؤشرات واضحة على إمكانية التوصل إلى تسوية قريبة.

مضيق هرمز.. جبهة أخرى في حسابات الصراع

وبعيداً عن الجبهات اليمنية، يضيف التصعيد في مضيق هرمز بعداً جديداً للمواجهة الإقليمية، مع إعلان الحرس الثوري الإيراني اندلاع حرائق في ثلاث ناقلات، وسط اتهامات متبادلة بشأن استهداف حركة الملاحة البحرية.

وتزامنت هذه التطورات مع ضربات أمريكية محدودة استهدفت منظومة دفاع جوي في جزيرة قشم، فيما أعلنت واشنطن أن إجراءات الحصار وملاحقة الإمدادات البرية حالت دون صادرات نفط إيرانية تتجاوز قيمتها 25 مليار دولار.

ويضع هذا التصعيد أمن الملاحة وإمدادات الطاقة أمام تحديات إضافية، كما يزيد من تعقيد الحسابات السياسية والعسكرية للقوى المنخرطة في المنطقة، خصوصاً مع تداخل المصالح الأمريكية والإيرانية والخليجية.

تكشف التطورات المتزامنة في اليمن والسعودية ومضيق هرمز عن اتساع رقعة المواجهة وتداخل مساراتها، إذ لم تعد المعارك اليمنية محصورة في خطوط التماس الداخلية، بل باتت مرتبطة بصورة مباشرة بحسابات الأمن الإقليمي وموازين الضغط بين القوى الدولية.

المصدر: المهرية نت