اتساع التصعيد العسكري يرفع كلفة المواجهة.. خسائر متزايدة وتحول لافت في أداء القوات الحكومية

منذ مطلع يوليو/تموز الماضي، تشهد الجبهات الداخلية تصعيداً عسكرياً متدرجاً أخذ يتسع نطاقه من محافظة إلى أخرى، في تطور يُعد الأبرز منذ دخول الهدنة غير المعلنة بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين حيز التهدئة عام 2022.
وخلال الأسابيع الأخيرة، انتقلت المواجهات من نطاقها التقليدي على عدد من الجبهات إلى استهداف منشآت ومواقع عسكرية ومناطق مدنية وممرات ملاحية، بدءاً من حضرموت ومأرب، مروراً بشبوة والضالع وتعز، وصولاً إلى الساحل الغربي ومضيق باب المندب، وسط ارتفاع في الخسائر البشرية والمادية، وتبادل للضربات بين القوات الحكومية والحوثيين.
ويأتي هذا التصعيد في وقت لا يزال فيه المسار السياسي متعثراً، فيما تصاعدت حدة الخطاب بين الطرفين، بالتوازي مع تحركات عسكرية وميدانية تشير إلى استعداد كل طرف للتعامل مع مرحلة أكثر توتراً.
من حضرموت إلى باب المندب.. اتساع رقعة المواجهات
بدأت موجة التصعيد الحالية بهجمات حوثية استهدفت معسكرات تدريب تابعة للقوات الحكومية في محافظة حضرموت، وأسفرت، وفق بيانات حكومية، عن مقتل أكثر من 16 شخصاً وإصابة العشرات.
ولم يتوقف التصعيد عند حضرموت، إذ تعرضت محافظة مأرب لاحقاً لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة طالت مواقع عسكرية ومناطق سكنية ومخيمات للنازحين، فيما شهدت جبهات شبوة والضالع وتعز مواجهات وهجمات متبادلة.
وفي الساحل الغربي، تصاعدت حدة الهجمات مع استهداف ميناء المخا الاستراتيجي القريب من باب المندب، في هجوم قالت القوات الموالية للحكومة اليمنية، إنه أدى إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة عشرات آخرين، فضلاً عن أضرار مادية في الميناء والمنشآت المحيطة به.
وأعلنت القوات الموالية للحكومة، في المقابل، إسقاط 11 طائرة مسيّرة قالت إنها شاركت في الهجمات الحوثية، إضافة إلى تدمير زورق قالت إنه حاول مهاجمة الميناء.
وامتد التصعيد إلى الممرات البحرية، مع هجمات حوثية استهدفت سفناً تجارية في باب المندب، كان أحدثها الهجوم على السفينة "تهامة"، والذي أسفر، وفق خفر السواحل اليمني، عن سقوط قتلى وجرحى من طاقم السفينة ومن القوات المشاركة في عمليات الإنقاذ.
خسائر في صفوف الحوثيين
في المقابل، أعلنت القوات الحكومية خلال الأيام الماضية مقتل وإصابة عشرات الحوثيين في ضربات مدفعية وهجمات بالطائرات المسيّرة واشتباكات ميدانية في عدة محاور، من بينها صعدة والضالع وتعز ومأرب والحديدة وشبوة.
كما تحدثت مصادر محلية عن وصول أعداد من قتلى وجرحى الحوثيين إلى مستشفيات في صنعاء، بالتزامن مع ارتفاع وتيرة العمليات العسكرية على أكثر من جبهة.
وتزامنت هذه المعلومات مع بث قناة "المسيرة" التابعة للحوثيين مراسم تشييع عشرات من عناصر الجماعة خلال اليومين الماضيين. وبحسب رصد نشره الصحفي أحمد الشلفي، فقد أظهرت التغطيات تشييع ما لا يقل عن 47 قتيلاً، بينهم 14 ضابطاً، في محافظات صنعاء وذمار وعمران وحجة وصعدة والمحويت وإب.
تحول في أداء القوات الحكومية
ولا يقتصر التطور الميداني على اتساع رقعة المواجهات، إذ برز خلال الفترة الأخيرة تحول في استخدام القوات الحكومية للطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين.
وفي نهاية يوليو/تموز، أعلنت القوات الحكومية إدخال منظومات استطلاع وقتال جديدة إلى الخدمة، في إطار مساعيها لتعزيز قدراتها العملياتية ورفع كفاءة الرصد والاستهداف.
كما نشر المركز الإعلامي للقوات المسلحة خلال الأيام الماضية مقاطع مصورة قال إنها توثق عمليات نفذتها طائرات مسيّرة ضد مواقع وتحركات حوثية، بما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو توسيع الاعتماد على هذا النوع من السلاح في العمليات الميدانية.
العليمي: لا هدنة جديدة وأي تصعيد سيواجه بالرد
سياسياً، ترافق التصعيد الميداني مع لهجة أكثر تشدداً من جانب الحكومة اليمنية، إذ قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إن مؤسسات الدولة أصبحت، وفق تقديره، أكثر تماسكاً وجاهزية على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية.
وحذر العليمي من أن أي تصعيد حوثي جديد سيقابل بالرد والردع، مؤكداً أن القوات الحكومية تعمل ضمن منظومة قيادة وعمليات موحدة.
وفي موقف يعكس تغيراً في مقاربة الحكومة للتهدئة، قال العليمي إن الحكومة لا تسعى إلى هدنة جديدة تعيد إنتاج تجارب السنوات الماضية، متهماً الحوثيين باستغلال فترات التهدئة لإعادة بناء قدراتهم العسكرية.
وأكد أن الهدف الذي تتمسك به الحكومة يتمثل في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، وصولاً إلى سلام مستدام في إطار دولة تحتكر السلاح وتمارس سيادتها على كامل أراضيها.
تصعيد يتجاوز الجبهات
ويكتسب التصعيد الحالي أهمية إضافية لكونه لم يعد محصوراً في خطوط التماس التقليدية، بل امتد إلى منشآت حيوية ومناطق مدنية وممرات ملاحية، فإلى جانب الهجمات على المعسكرات والمواقع العسكرية، طالت الضربات الحوثية، بحسب الحكومة اليمنية، مناطق مأهولة ومخيمات للنازحين في مأرب، فيما تعرضت منشآت ميناء المخا لهجمات مكثفة، بالتزامن مع استمرار التهديدات للسفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب.
كما أعلنت القوات الحكومية عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف خفر السواحل خلال عمليات الاستجابة للهجمات التي طالت السفن التجارية، في مؤشر على أن المواجهة البحرية باتت جزءاً متزايداً من المشهد العسكري اليمني.
وفي جبهات شبوة ومأرب، قالت القوات الحكومية إن هجمات بطائرات مسيّرة أدت إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف قوات دفاع شبوة، بينما نفذت قواتها ضربات مدفعية وجوية مسيّرة على مواقع حوثية رداً على تلك الهجمات.
إلى أين يتجه التصعيد؟
يعكس اتساع رقعة العمليات العسكرية بين الحوثيين والحكومة اليمنية والقوات الموالية لها، خلال الأسابيع الأخيرة انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر توتراً، بعد سنوات من انخفاض نسبي في مستوى العمليات العسكرية منذ هدنة 2022.
وفي حين لا تزال فرص الحل السياسي قائمة من حيث المبدأ والجهود الإقليمية التي تقودها مسقط، فإن استمرار الهجمات وتوسعها إلى مناطق جديدة، إلى جانب ارتفاع الخسائر البشرية واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق في العمليات، يزيد من صعوبة العودة إلى مسار التهدئة.
ومع استمرار تعثر التسوية السياسية، يبقى مسار التصعيد مرهوناً بقدرة الأطراف على منع انتقال المواجهات من جولات محدودة إلى دورة عسكرية أوسع، قد تكون كلفتها أكبر على الطرفين والسكان المدنيين وحركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
المصدر: المهرية نت + مصادر مفتوحة





