أكثر من 100 يوم على فراره.. أين يختبئ عيدروس الزبيدي؟

في السابع من يناير كانون الثاني طوى عيدروس الزبيدي آخر صفحة له في العاصمة المؤقتة عدن بعد أن غادرها سرًا عبر وسيطة بحرية إلى إقليم أرض الصومال؛ ومن مقديشو عبر طائرة خاصة إلى مطار الريف العسكري في أبوظبي، بإشراف مباشر من ضباط إماراتيين؛ ليدخل بعدها في عالم من الصمت والتخفي.
وبعد يومين من فراره تاركًا أنصاره في حيرة من أمرهم، أعلن المجلس الانتقالي حل نفسه وكافة هيائاته وأجهزته الرئيسية والفرعية عبر بيان رسمي تلاه مِن الرياض مَن يوصف بأمين عام المجلس، عبد الرحمن الصبيحي، زاعما في ثنايا البيان أن تأسيس المجلس "جاء بهدف حمل قضية شعب الجنوب وتمثيله وقيادته نحو تحقيق تطلعاته واستعادة دولته".
وفي اليوم التالي لإعلان الحل، نفى المجلس الانتقالي في بيان نشره على صفحته في منصة إكس تويتر سابقًا، نفى هذا الإعلان وأكد أن المجلس لا يزال قائمًا ويمارس مهامه معتبرًا الإعلان بأنه سابقة خطيرة تمثل انتهاكًا لإرادة شعب الجنوب مؤكدًا أن هذا البيان تم انتزاعه تحت الاحتجاز والضغط، بما يؤكد قوة اللهجة التي كان يسخدمها أنصار عيدروس وقتذاك، أولئك المتأملين عبثًا عودته أو ظهور إدارته وإن كانت عن بعد.
لكن الزبيدي استمر بالاختفاء وبشكل كلي إلا من ظهور افتراضي طفيف عبر حسابٍ له في منصة فيس بوك وإكس نشر فيها منشورات باهتة بعيدة حتى عن محاولة لملمة المشروع المنهار الذي كان يرأسه؛ الأمر الذي حول ثقة أنصاره به وبدعم الإمارات إلى خذلانٍ غير مسبوق.
وبعد فرار الزبيدي وخلال الشهر الأول ظهر الوجه الحقيقي للمجلس المنحل، الذي كان يعمل بأيدي إماراتية في نهب وسلب الشعب الجنوبي وتجويع أهله لصالح مشاريع شخصية لأنصاره.
تكشفت الحقائق واحدة تلو الأخرى؛ قوائم الاغتيالات التي طالت شخصيات سياسية واجتماعية ودينية، السجون السرية التي كان يخفي فيها الانتقالي الاشخاص الرافضين لمشروعه الإماراتي، والذين كانوا يسعون للنهوض بأنفسهم ومجتمعهم، وأبرياء لا ذنب لهم إلا أنهم مروا في طريق كان يسيطر عليه أنصار هذا المجلس.
المثير للجدل أن كافة تحركات الزبيدي وبياناته -بعد الاختفاء- أصدرها كتابيًا على مواقع التواصل الاجتماعي؛ مما أثار شكوكًا حول من يدير هذه الحسابات وهل يعبر الزبيدي عن إرادته بحرية؛ ففي بيان 16 يناير خاطب أنصاره بلهجة حماسية معتبرًا أن "صوت الشعب الجنوبي لا يمكن تجاهله"، في محاولة لشد أزر القواعد الشعبية المتبقية له، بعد خسرانه الأرض.
وفي بيان 10 فبراير دعا عبر حسابه للتمسك بـ"الإعلان الدستوري"، وهو البيان الذي أعقبته صدامات دموية في محافظة شبوة إثر محاولة فاشلة لاقتحام مبنى السلطة المحلية.
و مثّلت "تهنئة عيد الفطر" المحطة الأخيرة في نشاط الزبيدي الرقمي؛ فقد نشر نصًا خفتت فيه نبرة التوجيه العسكري وحلت محلها لغة عاطفية، جاء فيها: "إننا اليوم في ظرف استثنائي يقتضي منا جميعًا أعلى درجات الإحساس بالمسؤولية التأريخية، بالحفاظ على كل مكتسباتنا الوطنية حتى تتحقق استحقاقاتنا الوطنية في استقلال القرار وبناء دولتنا الفيدرالية".
ومنذ تلك التهنئة التي اختتمها بعبارة "معًا على العهد ثابتون"، توقفت حساباته عن أي تحديث، ما دفع المراقبين لوصف المنشور ببيان الوداع الرقمي خاصة مع غياب أي مادة مرئية تثبت حقيقة ومكان وجوده.
محللون وصحفيون يرون أن اختفاء عيدروس الزبيدي عن الأنظار هو انعكاس لأزمة هيكلية عميقة وتفككٍ في بنية المجلس الذي اختزلته في شخصه فقط؛ مؤكدين أن هذا الاختفاء كشف عن هشاشة المشروع الذي تهاوى أمام أول اختبار عسكري ومؤسسي.
بهذا الشأن قال الصحفي عبد الرقيب الهدياني إن:" حالة الصمت والغياب التام لعيدروس الزبيدي، التي تجاوزت الـ 100 يوم؛ هي حالة اضطرارية فرضتها طبيعة الوجود الإمارات؛ فالزبيدي لم يعد يمتلك زمام قراره السياسي في ظل التوازنات الراهنة والخلافات الإماراتية - السعودية المحتدمة.
عزلة إجبارية وملاحقة دولية
وأوضح الهدياني أن بقاء الزبيدي في الإمارات يجعله مقيداً بالكامل؛ إذ إن ممارسته لأي نشاط سياسي أو إطلاق دعوات تحريضية من الأراضي الإماراتية سيُفهم كاستفزاز مباشر وموجه للمملكة العربية السعودية التي تقود جهود ترتيب الأوضاع في اليمن والمحافظات الجنوبية.
ووصف الهدياني الزبيدي بأنه "أحد أدوات الإمارات" الملزم بتعليماتها، وأن خيار مغادرته للإمارات إلى وجهة أخرى لممارسة النشاط السياسي محفوف بالمخاطر، خاصة في ظل انعدام الملاذات الآمنة، كونه مطلوبًا حاليًا للحكومة الشرعية عبر الإنتربول الدولي.
صدمة الهزيمة
وأشار الهدياني إلى أن الزبيدي لا يزال يعيش تحت وقع الصدمة والهزيمة جراء الضربات التي تعرض لها، وهو ما يفسر عجزه عن بلورة أي مخطط جديد لتحريك أنصاره.
وأكد أن أي نشاط قد يقوم به حاليًا سيكون فاقدًا للقيمة والتأثير في ظل حالة السخط الشعبي الواسع ضد "المجلس الانتقالي المنحل" وقياداته التي انخرطت في الترتيبات الجديدة التي تقودها الشرعية والرياض.
وحول تأثير هذا الغياب على الشارع الجنوبي، أكد الهدياني أن المجلس الانتقالي" لا شيء بدون الدعم الإماراتي وقد انشكف تمامًا أمام المواطنين منذ تأسيسه عام 2017.
وأضاف: " بصفتي مواطن جنوبي، أرى أن سجل المجلس ارتبط بالفشل الخدمي، والاغتيالات، والسجون السرية، ونهب المال العام والأراضي، وممارسة العنصرية المقيتة".
وأوضح أن المجلس كان يعاني من سخط جماهيري حتى قبل هذا الغياب، مستشهداً بـ "ثورة النساء في عدن" ومظاهرات عام 2025 التي خرجت للتنديد بانهيار الخدمات والمطالبة بالمخفيين قسرًا، مؤكدًا أن القوة العسكرية والدعم الإماراتي كانا وحدهما يحميان المجلس من غضب الشارع.
واعتبر الهدياني أن انكسار الزبيدي وصمته الطويل يضربان ما تبقى من آمال لدى المغرر بهم الذين اعتبروه رمزًا لمشروع الانفصال، مؤكدًا أن اختفاءه قوض الروح المعنوية لأنصاره إلى أدنى مستوياتها، ولن تستطيع أي قيادات أخرى سد هذا الفراغ الذي تركه، نظرًا لاختزال المشروع في شخصه خلال السنوات الماضية.
هل انتهى دور الزبيدي؟
وبشأن احتمالات عودته للمشهد، استبعد الهدياني ذلك، مؤكداً أن القوى السياسية الفاعلة تتجه اليوم لترتيب الأوضاع بعيدًا عن هذا المكون الذي أثبت فشله وتورطه في قضايا بعيدة عن المشروع الوطني، لا فتًا إلى أن تراجع الدور الإماراتي في اليمن سينعكس مباشرة على أدواتها، ومنهم الزبيدي.
واختتم الهدياني تصريحه بالقول: "إن المرحلة الحالية هي مرحلة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد الصف لمواجهة التحديات الكبرى، وهي تتطلب رجال دولة برؤية وطنية، لا أصحاب أجندات خارجية"، معتبراً أن عودة الزبيدي تعني العودة للمربع الأول من الصراع والفشل، وهو ما لن يسمح به الشارع اليمني والقوى الوطنية التي تعقد آمالها اليوم على جهود الحكومة الشرعية والمملكة العربية السعودية.
حالة من الإذعان
في السياق، أكد الصحفي عبد الحفيظ الحطامي، أن " اختفاء عيدروس الزبيدي عن الساحة العامة لأكثر من 3 أشهر، وصمته المطبق إزاء التحولات التي تلت "حل المجلس الانتقالي" وشطب اسمه من عضوية المجلس الرئاسي، يعكس حالةً من الإذعان للأمر الواقع، لا سيما مع نجاح المبادرة السعودية في استيعاب صفوف قيادية وإعلامية واسعة من جسد المجلس المنحل".
وأشار الحطامي إلى أن حالة الانهيار التي تشهدها صفوف الانتقالي تعد نتيجة طبيعية لغياب العمل المؤسسي؛ إذْ رهن الزبيدي الأداء الهيكلي والتنظيمي بمركزية مفرطة جعلت المجلس الانتقالي كله في شخصية الزبيدي فقط؛ وبمجرد غياب الرأس، تداعت الهياكل التي افتقرت تاريخيًا لأسس العمل السياسي المنظم، مما سرع من وتيرة التآكل الداخلي.
الانكسارات الميدانية
ويربط الحطامي هذا الغياب بسلسلة من الإخفاقات العسكرية التي بدأت بـ "هزيمته في حضرموت" وامتدت لتشمل هزيمته في عدن، ولحج، وأبين، وشبوة، والضالع، والمهرة هذا المسار التراجعي وضع الزبيدي أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما التسليم بانتهاء مشروع المجلس، أو انتظار محاولات الكفيل الإماراتي لإعادة إنتاجه في الساحة اليمنية بصيغة جديدة.
وفي المقابل، برزت القدرة السعودية على استقطاب قيادات الانتقالي ضمن رؤية "الحوار الجنوبي" التي تقودها المملكة، مما جعل الزبيدي والمجلس في مهب رياح تغيير تجاوزت حساباتهم التقليدية.
ويرى الحطامي أن المعضلة الأساسية تكمن في التكلس السياسي وعجز الانتقالي عن استيعاب المتغيرات؛ إذ لا يزال يتموضع خلف أدوات التصعيد القديمة ومحاولة احتكار تمثيل القضية الجنوبية، متجاهلًا التحولات الجذرية في أدوار الفاعلين على الأرض وتمدد قوات الجيش الحكومي المعاد هيكلتها وفق أطر وطنية.
واختتم الحطامي تصريحه بقوله: إن " استمرار الانتقالي في العقلية الماضوية المأزومة والارتهان للدعم الخارجي سيقود ما تبقى منه إلى التلاشي والعزلة الجماهيرية، خاصة وأن آليات الحوار الجنوبي الجديد ستمضي لتجاوز الكيانات المنغلقة، مما سيحول النخب القيادية التي كانت تدور في فلك الزبيدي إلى فتات يبحث عن مصالح شخصية ضيقة بعيدًا عن العمل الوطني المؤسسي".
المصدر: المهرية نت





