أربع ساحات للتصعيد الحوثي.. ما الذي تريده الجماعة من توسيع المواجهة؟

قال خبراء ومحللون يمنيون، إن التصعيد العسكري الأخير لجماعة الحوثي يمثل تحولاً لافتاً في مسار الصراع اليمني، محذرين من أن اتساع نطاق الهجمات ليشمل جبهات ومناطق حيوية في اليمن والسعودية قد يدفع نحو مواجهة أوسع، في وقت تسعى فيه الجماعة إلى تعزيز أوراقها السياسية والتفاوضية.
جاء ذلك في تصريحات منفصلة للخبير العسكري الدكتور محمد المقابلة، والأكاديمي عادل الشجاع، والصحفي أنيس منصور، خلال مشاركتهم في برنامج «التاسعة» على قناة «المهرية»، تعليقاً على التصعيد الحوثي الأخير في عدد من الجبهات اليمنية، واستهداف مصالح سعودية وميناء المخا غربي محافظة تعز.
وقال المقابلة إن التصعيد الأخير لجماعة الحوثي يمثل «قفزة بعيدة جداً» عما كان متوقعاً في المشهد اليمني، مشيراً إلى أن الاستهدافات الحوثية تحمل رسائل سياسية وعسكرية واستراتيجية تتجاوز طبيعة العمليات الميدانية.
وأضاف أن استهداف الحوثيين لجبهة جازان ومصالح شركة أرامكو في السعودية يمثل، وفق قراءته، رسالة مفادها أن الجماعة قادرة على الوصول إلى العمق السعودي وضرب مصالحه الاستراتيجية، بغض النظر عن حجم الأضرار الناجمة عن الهجمات.
وأوضح أن هذه الرسالة تتضمن تحذيراً للسعودية من أن أي رد أو دعم مباشر للحكومة اليمنية قد يقابله الحوثيون باستهدافات «أقوى وأعمق» للمصالح السعودية، معتبراً أن الرياض لن تقبل باستمرار ضربات نوعية تطال عمق أراضيها ومصالحها الاقتصادية.
وحول الاستهدافات الحوثية باتجاه مأرب وحضرموت، قال المقابلة إنها تحمل رسائل سياسية وعسكرية موجهة إلى الحكومة اليمنية، فضلاً عن أبعاد اقتصادية، نظراً لأهمية مأرب في قطاعات الطاقة والنفط، وما توفره من موارد تعتمد عليها الحكومة في تمويل الإنفاق العام ودفع الرواتب ودعم جهود التنمية.
وأشار إلى أن استهداف هذه المصالح يهدف، بحسب تحليله، إلى «شل الحكومة» اقتصادياً وإضعاف قدرتها على إدارة الشأن السياسي والاقتصادي في البلاد.
أما التحركات باتجاه عمق حضرموت، فاعتبرها المقابلة رسالة مفادها أن الحوثيين قادرون على الوصول إلى مناطق بعيدة في المحافظة واستهداف طرق الإمداد وقطعها، بما يحد من قدرة القوات الحكومية على التحشد والاستعداد للعمليات العسكرية.
وفيما يتعلق باستهداف ميناء المخا على ساحل البحر الأحمر، رأى الخبير العسكري أن الهجوم يحمل «رسالة تهديد استراتيجية للملاحة العالمية»، معتبراً أن الجماعة تسعى من خلال توسيع نطاق عملياتها إلى إبلاغ الدول والتحالفات البحرية التي أعلنت استعدادها لحماية أمن المياه والممرات البحرية بأنها قادرة على تهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر.
وقال المقابلة إن اتساع نطاق العمليات الحوثية وتعدد ساحاتها يشير، وفق تقديره، إلى محاولة الجماعة إثبات قدرتها على العمل في أربع جبهات رئيسية تمس أمن اليمن والمنطقة والممرات البحرية الدولية.
وحذر من أن استمرار التصعيد «أياماً وليس أسابيع» قد يدفع الصراع اليمني نحو «حرب شاملة مفتوحة» على أكثر من جبهة، بما يوسع تداعيات المواجهة داخلياً وإقليمياً.
الحوثيون يرفعون الضغط لتعزيز أوراق التفاوض
من جانبه، قال الأكاديمي اليمني عادل الشجاع إن جماعة الحوثي أنهت ما وصفها بـ«الهدنة الشفوية» التي استمرت منذ عام 2022، مستفيدة من حالة التشتت داخل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ومخاوف السعودية من تداعيات العودة إلى الحرب.
وأوضح الشجاع أن الهدنة التي بدأت منذ عام 2022 «لم تكن رسمية، وإنما كانت اتفاقاً شفوياً دون توقيع»، مشيراً إلى أن الحوثيين يقرأون الخريطة السياسية والعسكرية للسعودية والحكومة اليمنية، ووجدوا أن الأخيرة «عبارة عن تكتلات متناثرة وغير قادرة على توحيد قرارها».
وأضاف أن الجماعة تدرك وجود «مخاوف سياسية واقتصادية وعسكرية» لدى السعودية من العودة إلى الحرب، الأمر الذي يمنحها، وفق تقديره، مساحة أكبر للمبادرة العسكرية وفرض إيقاع التصعيد.
وقال الشجاع إن الحوثيين باتوا «يحددون مكان وزمان المعركة»، ويبدؤون بإدارتها دون ردود فعل كافية من السعودية أو الحكومة اليمنية، معتبراً أن الجماعة تسعى من خلال ذلك إلى زيادة الضغط وتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.
وبشأن الهجوم الذي استهدف ميناء المخا غربي محافظة تعز، قال الشجاع إن الهجوم «لا يمكن قراءته باعتباره حادثاً منفصلاً» عن التطورات العسكرية في الساحل الغربي.
وأوضح أن الهجوم يمكن قراءته من «زاويتين؛ الأولى عسكرية، باعتبار أن المخا تقع على خط التماس، والثانية استراتيجية، لارتباطها بأمن الملاحة في الساحل الغربي».
وأضاف أن الهجوم يمثل «رسالة على خط التماس للحكومة الشرعية، ورسالة للمجتمعين الإقليمي والدولي، وتحديداً للتحالف البحري الذي شكلته السعودية قبل أيام».
وأشار إلى أن التصعيد الحوثي في المخا، إلى جانب التطورات في مأرب وحضرموت، يأتي في إطار ما وصفه بأنه «رد على تحالفين»، أحدهما يتعلق بالتحركات البحرية، والآخر باتفاقيات الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، في إشارة إلى ما بات يعرف بـ«اتفاق مكة».
ورأى الأكاديمي اليمني أن الحوثيين يقرأون «نفسية الأطراف المواجهة لهم»، ويدركون، وفق تقديره، أنها غير قادرة على مواجهتهم بالشكل الكافي، ولذلك يبادرون بالضربات العسكرية ورفع مستوى الضغط بهدف تعزيز أوراقهم التفاوضية.
وقال إن الجماعة، رغم قدرتها على تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، «تعاني ضعفاً قوياً على المستوى الداخلي»، مشيراً إلى وجود ضغط شعبي متزايد عليها.
وأضاف أن هذا الضغط يدفع الحوثيين إلى التحرك في اتجاهات مختلفة بهدف «ضمان بقاء الجبهة الداخلية تحت السيطرة، ورفع نقاط التفاوض مع الأطراف الخارجية».
السعودية تتبع سياسة «الصبر الاستراتيجي»
بدوره، قال الصحفي اليمني أنيس منصور إن السعودية لم تكن خلال الفترة الماضية مستعدة للدخول في حرب، في ظل تبنيها مساراً سياسياً للسلام، معتبراً أن هذا المسار تعثر بفعل تداعيات حرب غزة والضغوط الأمريكية.
وأضاف منصور أن السعودية تتبع منذ فترة ما وصفها بـ«سياسة الصبر الاستراتيجي» قبل الانتقال إلى مرحلة الرد، مشيراً إلى أن ما جرى مع المجلس الانتقالي الجنوبي يمثل، بحسب رأيه، مثالاً على ذلك.
وأوضح أن «هناك شيئاً تخطط له السعودية»، لافتاً إلى أن جماعة الحوثي نفسها تبدو قلقة من استمرار الصمت السعودي وعدم الرد على التصعيد الأخير.
وقال إن الحوثيين يستخدمون حالياً «سياسة الأرض المحروقة» عبر تكثيف القصف، ويبدو أنهم يسعون إلى جر السعودية إلى معركة استنزاف طويلة، في حين أن الرياض قد تكون بصدد الإعداد لضربة، سواء كانت محدودة أو واسعة، أو قد تتجه إلى الاعتماد على القوات اليمنية التابعة للحكومة المعترف بها دولياً.
وأشار منصور إلى أن الحوثيين يسعون، من خلال أي مواجهة محتملة، إلى جعل المعركة «أصعب وأطول وأوسع نطاقاً»، معتبراً أن الجماعة قد تلجأ إلى افتعال مواجهات مع القبائل أو الحكومة اليمنية أو السعودية بهدف حشد أنصارها وتجنيد مزيد من المقاتلين تحت شعار مواجهة «العدوان».
وأضاف أن الحوثيين «وقعوا في الفخ» عندما حاولوا تقديم المواجهة باعتبارها حرباً بين اليمن والسعودية، قبل أن يؤدي التصعيد، وفق قوله، إلى استهداف مصالح يمنية، وهو ما اعتبره خطأً في حسابات الجماعة.
وفيما يتعلق بموقف السعودية من التصعيد، تساءل منصور عن مصير «اتفاقية مكة»، وما إذا كانت الاعتداءات التي تعرضت لها المملكة قد تستدعي تدخلاً تركياً أو باكستانياً، معتبراً أن هذا الأمر لا يزال «غامضاً» في الوقت الراهن.
وقال إن «لا حضور لباكستان حتى الآن»، فيما تحدث عن وجود طيران تركي، لكنه أوضح أن المقصود طائرات «بيرقدار» التي تستخدمها قوات يمنية، وربما قوات سعودية، مشيراً إلى أن امتلاك هذه الطائرات لا يعني بالضرورة مشاركة تركية مباشرة في العمليات.
وختم منصور بالقول إن طبيعة التحركات السعودية الحالية وما تخفيه من ترتيبات لا تزال غير واضحة، مرجحاً وجود «تنسيق أمريكي وغربي خارجي» بشأن التحركات الجارية، أو ترتيبات يتم تنفيذها «عن بُعد»، دون الكشف عن تفاصيلها حتى الآن.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تصعيد عسكري حوثي متزامن في عدد من الجبهات اليمنية، إلى جانب هجمات أعلنت الجماعة تنفيذها باتجاه أهداف داخل السعودية، ما يثير مخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتجاوزها حدود الجبهات اليمنية التقليدية.
المصدر: قناة المهرية





