آخر الأخبار

كيف تحول ضياء العوضي إلى ظاهرة طبية مثيرة للجدل في مصر والعالم العربي؟

كيف تحول ضياء العوضي إلى ظاهرة طبية مثيرة للجدل في مصر والعالم العربي؟
 
متابعة خاصة
شارك الخبر:

كان الأمر بالنسبة لفاطمة عادل، وهي كاتبة تبلغ من العمر خمسين عاماً وتعيش في حي الشيخ زايد الراقي بالقاهرة، أشبه بمعركة مع العلاجات التقليدية. 

لقد ضعفت ثقة فاطمة في الأطباء بعد سلسلة من حالات التشخيص الخاطئ والأخطاء الطبية التي تعرضت لها ثقة فاطمة، لكن عندما بدأت مقاطع فيديو ضياء العوضي بالانتشار استمعت عادل، مثل عشرات الآلاف من المصريين، إلى رسالته.

كان العوضي، طبيبًا مصريًا يتحدث بلغة بسيطة، ويستشهد بالقرآن الكريم، ويخبر متابعيه بأن أجسادهم قادرة على شفاء نفسها إذا غيّروا نظامهم الغذائي. 

بدأت فاطمة في أوائل عام 2024 باتباع منهج العوضي، بعد سنوات من دون تحقيق أي تحسن في السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، فتوقفت عن تناول أدويتها وغيّرت نظامها الغذائي. 

شعرت خلال الأشهر الأولى، بأن صحتها بدأت تتحسن، لكن بعد ذلك بدأ التدهور، وقالت: "شعرت بإرهاق لم أستطع تفسيره، لكنني لم أربطه بمنهج العواضي لأن الأشخاص من حولي كانوا يقولون إنني أبدو أكثر صحة، وصدقتهم". 

وبعد بضعة أشهر، بدأت تشعر بوخز وخدر في قدميها، وبحلول الوقت الذي شُخِّصت فيه حالتها في مايو/أيار 2025، كانت قد أصيبت بالقدم السكرية، وهي مضاعفة كان يمكن الوقاية منها، تنتج عن عدم السيطرة على مستويات السكر في الدم وضعف الدورة الدموية.

قالت عادل: "لم أربط الأمر بهذا النظام في البداية، ثم فات  الأوان"، وأصبح إصبع قدمها الكبير الآن متورماً إلى عدة أضعاف حجمه الطبيعي، بينما أصبح الجلد داكناً ومشدوداً، وتضطر إلى الخضوع بشكل دوري لإزالة الأنسجة المصابة لمنع انتشار العدوى إلى العظم الذي بدأ يتآكل، ويُعد هذا الإجراء بديلاً عن بتر القدم الذي أوصى به بعض الأطباء.

أدت وفاة العوضي في أحد فنادق دبي في أبريل/نيسان الماضي إلى زيادة نفوذه بدلاً من إنهائه، ففي غضون ساعات، نشر أتباعه نظريات مؤامرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي زاعمين أنه جرى إسكات صوته، وشارك الآلاف في جنازته بالقاهرة، وأصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر قراراً يمنع جميع المنصات من تداول محتواه، لكن حظر كلمات رجل متوفى جعلها أكثر انتشاراً وإقبالاً من أي وقت مضى.

تتزايد حالات الثقة في المعالجين البديلين عالميًا، وقد جعلت منظمة الصحة العالمية (WHO) مكافحة المعلومات الصحية المضللة والمغلوطة أولوية، مشيرة إلى أن الأخبار الكاذبة تزيد من معارضة اللقاحات، وتؤخر حصول المرضى على الرعاية الصحية، وتؤثر سلباً في أعداد كبيرة منهم. 

كما خلص تقرير صادر عام 2024 عن شركة الرعاية الصحية تيبرا (Tebra) إلى أن 45% من النصائح الطبية المنشورة على تطبيق تيك توك كانت خاطئة أو مضللة، وأن 67% من المحتوى المتعلق بالعلاجات البديلة يُرجح أن يكون خاطئاً أو مضللاً.

في مصر، وجدت هذه الظاهرة بيئة خصبة بشكل خاص، فبحلول أوائل عام 2025، بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي النشطين في البلاد 50.7 مليون مستخدم، وهو أكبر جمهور في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومع ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية الرسمية وصعوبة الوصول إليها بالنسبة لكثيرين، يملأ الطب غير الرسمي هذه الفجوة. 

وتقول تقديرات منظمة الصحة العالمية، إن المرضى أو أسرهم يتحملون أكثر من 57% من إجمالي النفقات الصحية من أموالهم الخاصة، مقارنة بنحو 39% في الدول ذات مستويات الدخل المماثلة. 

ولم تتجاوز موازنة الصحة في مصر 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025-2026، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، وهو مستوى يقل كثيراً عن الحد الأدنى البالغ 5% الذي توصي به منظمة الصحة العالمية للدول الساعية إلى تحقيق التغطية الصحية الشاملة.

بدأ العوضي في بناء قاعدة جماهيرية تجاوزت مليون متابع عبر عدة منصات للتواصل الاجتماعي في عام 2023، من خلال إقناع الناس بأن الإنسولين “خدعة”، وأن التدخين ليس ضاراً، وأن العلاج الكيميائي غير ضروري، وأن الجسم قادر على شفاء نفسه إذا اتبع نظاماً غذائياً أفضل، وأطلق على منهجه اسم “الطيبات”، نسبة إلى الكلمة القرآنية التي تشير إلى الأشياء الطيبة.

وكان العوضي يحظر تناول الدجاج والبيض ومنتجات الألبان والبقوليات، بينما يسمح بتناول المربى، ومعجون البندق، وحتى السجائر، واستند العوضي إلى تفسيراته الشخصية لبعض آيات القرآن الكريم باعتبارها أدلة طبية، وهو ما طعن فيه العديد من علماء الدين الإسلامي.

واصل العوضي تسويق منهجه عبر مقاطع الفيديو على الإنترنت، والاستشارات الافتراضية، ومجموعات “فيسبوك” التي استقطبت متابعين من مختلف أنحاء العالم العربي، على الرغم من أنه لم يشغل أي منصب جامعي منذ فصله من جامعة عين شمس بالقاهرة عام 2023 بسبب ترويجه لآراء غير علمية، ولم يجرِ أي تجارب سريرية موثقة أو ينشر أبحاثاً خضعت لمراجعة علمية. 

وألغت نقابة الأطباء المصرية ترخيصه نهائياً في فبراير/شباط 2026، قبل أسابيع من وفاته، بعد أن خلصت إلى أنه روّج لنصائح علاجية لا تستند إلى أدلة علمية، بما في ذلك ادعاءات تتعلق بعلاج السكري، وأمراض الكلى والقلب، والسرطان، والاضطرابات الهرمونية، وقالت النقابة إن هذا المحتوى يشكل خطراً على الصحة العامة.

لكن حتى بعد إغلاق عياداته في مارس/آذار، ازداد الإقبال على محتواه، فقد توفيت شيماء البدوي، وهي مريضة بالذئبة الحمراء، بعد أشهر من توقفها عن تناول أدويتها التزاماً بنصائحه، واتخذ المجلس القومي للطفولة والأمومة في مصر في الوقت نفسه إجراءات قانونية ضد أولياء أمور أوقفوا إعطاء أطفالهم المصابين بالسكري جرعات الإنسولين بناءً على توصياته.

ويقول الدكتور محمد ممدوح، استشاري الأمراض الباطنة والسكري والكلى، إن بعض التحسن الذي أبلغ عنه أتباع العواضي كان حقيقياً بالفعل، فاستبعاد عدة مجموعات غذائية أدى إلى خفض السعرات الحرارية، وهو ما قد يخفف بعض الأعراض لدى كثير من المرضى، إلا أن السبب الحقيقي للمرض ظل من دون علاج، الأمر الذي أدى في النهاية إلى “كوارث”، بحسب تعبيره.

المصدر: الغارديان

تابعنا على :