معالي السيد بدر البوسعيدي الوزير الذي كسر الصمت الخليجي

أنيس منصور
لا يمكن بناء نظام مستدام لحرية الملاحة مع تجاهل الدولة التي تشرف على أحد ضفتي الممر. قد تنجح القوة العسكرية في حماية سفينة أو قافلة مدة محدودة، لكنها لا تنشئ استقرارًا دائمًا.
في مقاله المنشور في صحيفة «لوموند» الفرنسية، لم يلجأ وزير الخارجية العُماني معالي السيد بدر البوسعيدي إلى اللغة التي اعتاد المسؤولون العرب استخدامها حين يقتربون من الملفات الحساسة؛ تلك اللغة التي تبدأ بالقلق وتنتهي بالدعوة إلى ضبط النفس، من دون أن يعرف القارئ من أشعل الحرب، ومن يتحمل مسؤوليتها، ولماذا وقعت أصلًا.
تحدث البوسعيدي بوضوح غير مألوف
قالها دون أن يضعها داخل عشرين طبقة من القطن الدبلوماسي. لم يسبقها بعبارة «مع تقديرنا العميق لشركائنا»، ولم يتبعها بتأكيد «متانة التحالف التاريخي». لم يقل إن ثمة «تباينًا في وجهات النظر» أو إن «المرحلة تقتضي تقييمًا هادئًا لبعض السياسات».
قال إن السياسة التي استند إليها أمن الخليج منذ عام 1979، والتي عُرفت بسياسة الاحتواء، لم تكن سوى وهم مكلف قدّم المسألة بوصفها خطأً استراتيجيًا استمر قرابة نصف قرن.
هذه ليست ملاحظة بسيطة، ولا سيما حين تصدر عن وزير خارجية دولة خليجية تعرف معنى كل كلمة تكتبها، وتدرك كيف ستُقرأ في واشنطن وتل أبيب وطهران والعواصم العربية.
فسياسة الاحتواء لم تكن نظرية بقيت في مراكز الدراسات. على أساسها انتشرت القواعد العسكرية، وتضخم الإنفاق الدفاعي، وأُبرمت صفقات سلاح هائلة، وأصبح الوجود الأمريكي في المنطقة جزءًا ثابتًا من مشهد الخليج. وكان التبرير حاضرًا دائمًا: إيران هي الخطر، وأمريكا هي الضامن.
لكن ماذا كانت النتيجة؟
لم يصبح الخليج أكثر أمنًا...ازداد تسلحًا، نعم، وازدادت القواعد الأجنبية فيه، لكنه بقي عرضة لكل أزمة تندلع بسبب قرار يُتخذ خارجه. وفي كل مرة كانت المنطقة تقترب من الحرب، يتبين أن كثرة السلاح لا تعني امتلاك القرار، وأن وجود القواعد لا يمنع الخطر، بل قد يجلبه إلى الدول التي تستضيفها.
هذا ما يقوله البوسعيدي من دون زخرفة: إيران لم تكن تهديدًا وجوديًا لأمن الخليج، والتهديدات الأخطر جاءت من قرارات وأفعال اتُّخذت خارج المنطقة، وخصوصًا في تل أبيب.
هذه العبارة وحدها تكفي لتمييز المقال عن كل ما يصدر عادة عن الدبلوماسية العربية.
فمن النادر أن يسمّي مسؤول عربي تل أبيب باعتبارها مصدرًا مباشرًا للخطر على أمن الخليج. الأسهل هو توزيع المسؤولية بالتساوي بين الجميع، أو استخدام كلمات عامة عن «التوترات الإقليمية» و«دوامة التصعيد»، وكأن الحرب ظاهرة طبيعية لا يصنعها أحد.
البوسعيدي لم يفعل ذلك. وضع المسؤولية في مكانها، وتحدث عن حرب لم تكن ضرورية، ولم تحظَ بتفويض من الأمم المتحدة، ولم تحقق الأهداف التي بدا أن من بدأها كان يسعى إليها.
وحين يقول وزير خارجية إن حربًا ما كانت كارثة، وإنها وقعت بلا تفويض دولي وفشلت في بلوغ أهدافها، وحين يقول ذلك فهو يطعن في شرعيتها ومنطقها وجدواها.
ما بقي من تلك الحرب، إذن، هو كلفتها: الخسائر، والخوف، واضطراب الملاحة، وتهديد المنشآت والمطارات والموانئ، وتوسيع دائرة المواجهة إلى دول لم تتخذ قرار القتال.
فالقرار قد يصدر من تل أبيب، ويحصل على غطاء من واشنطن، لكن دول الخليج هي التي تجد نفسها داخل نطاق الرد.
لا تستطيع هذه الدول أن تنقل مدنها أو منشآتها النفطية أو موانئها إلى مكان آخر. موقعها الجغرافي يحكم عليها بأن تدفع ثمن الحروب التي تبدأ بالقرب منها، حتى حين لا تكون شريكة في قرارها.
من هنا جاءت دعوة الوزير العُماني إلى مراجعة العلاقة مع الولايات المتحدة.
لم يدعُ إلى القطيعة معها، ولم يتحدث بلغة المزايدات. قال إن العلاقات مع الأصدقاء والحلفاء الأقوياء تحتاج إلى تقييم صريح، وإن العلاقة مع واشنطن يجب أن يعاد ضبطها بما ينسجم مع الواقع الاستراتيجي الذي كشفته الحرب الأخيرة.
عبارة «إعادة الضبط» تحمل اعترافًا واضحًا بأن شكل العلاقة القائم لم يعد مقبولًا كما كان.
فالعلاقة المتوازنة لا تعني أن تتخذ دولة حليفة قرار الحرب، ثم تطلب من بقية الدول استيعاب نتائجه. ولا تعني أن تكون أراضي الحلفاء وقواعدهم ومنشآتهم ضمن مسرح العمليات، بينما يظل قرار التصعيد خارج أيديهم.
الصداقة لا تمنح طرفًا حق تعريض صديقه للخطر ثم تقديم الحماية له من الخطر نفسه.
طوال عقود، كان السؤال الذي يحكم جانبًا كبيرًا من العلاقات الخليجية الأمريكية هو: ماذا تريد واشنطن من المنطقة؟ أمن الطاقة، القواعد العسكرية، صفقات السلاح، الاصطفاف السياسي، ضبط العلاقة مع إيران، والمشاركة في التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة.
أما السؤال عن حاجة دول الخليج من تلك العلاقة، وعن الحدود التي يجب ألا تتجاوزها واشنطن، فكان يُطرح غالبًا بخجل، أو لا يُطرح أصلًا.
ما يقترحه البوسعيدي هو أن تُبنى العلاقة على مصالح متبادلة، لا على افتراض أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل هي بالضرورة مصالح الخليج.
وهذا تحول لا يقتصر على تغيير المفردات. إنه يتعلق بحق دول المنطقة في تحديد مصادر الخطر بنفسها، لا وفق القوائم التي تُعدّ لها في عواصم أخرى.
أحد أهم ما ورد في المقال هو حديث معالي الوزير عن إيران والعراق بوصفهما دولتين من دول الخليج، لا مشكلتين أمنيتين خارجتين عنه.
لطالما قُدِّم الخليج في الخطاب السياسي كأنه يتكون من دول مجلس التعاون الست فقط، فيما وُضعت إيران والعراق خارج الصورة أو في الجهة المقابلة منها. غير أن الجغرافيا لا تعمل بهذه الطريقة.
إيران تطل على الخليج، والعراق جزء منه، ولا يمكن لأي نظام أمني أن يستمر طويلًا وهو يقوم على عزل دولتين رئيسيتين فيه.
قد تختلف دول المنطقة مع طهران، وقد يكون لديها الكثير من الاعتراضات على سياساتها وأدوارها، لكن الخلاف لا يلغي الجغرافيا. ولا يمكن بناء استقرار دائم على افتراض أن إيران ستختفي، أو أن احتواءها وعزلها إلى ما لا نهاية سيجعلان الخليج أكثر أمنًا.
العراق أيضًا كان هدفًا للحصار ثم الحرب والاحتلال، وقيل إن إسقاط نظامه سيعيد رسم المنطقة على نحو أكثر استقرارًا. ما حدث هو العكس. انهارت الدولة، وانتشرت الفوضى، وتوسعت الجماعات المسلحة، وأصبحت البلاد ميدانًا مفتوحًا لتنافس القوى الإقليمية والدولية.
أما إيران، فكلما اشتد الحصار عليها، زادت اعتمادها على القوة العسكرية وشبكات الحلفاء. ثم جرى تقديم نتيجة الحصار دليلًا على الحاجة إلى مزيد منه.
هذه دائرة لا تنتج أمنًا. إنها تنتج مبررات متجددة للتوتر، وتسمح باستمرار سوق السلاح والقواعد والتحالفات، لكنها لا تقدم لدول الخليج طريقًا للخروج من الخوف.
البوسعيدي يدعو إلى كسر هذه الدائرة وبناء ترتيب أمني لا يقوم على الإقصاء.
وهذا لا يعني منح إيران حق الهيمنة، ولا تجاهل مخاوف جيرانها، بل يعني التعامل معها بوصفها دولة باقية وجزءًا من الإقليم، لا ملفًا يمكن إغلاقه بالقصف أو العقوبات.
تظهر هذه الرؤية بوضوح في حديثه عن مضيق هرمز. فسلطنة عُمان ليست بعيدة عن المضيق، بل تقع في قلبه، وتتحمل مباشرة نتائج أي اضطراب فيه. لذلك لا تتعامل معه باعتباره ممرًا يمكن تأمينه بمزيد من السفن الحربية وحدها.
دعا الوزير إلى ترتيب عملي ومستدام وقانوني يضمن حرية الملاحة، بالتعاون مع إيران والمجتمع الدولي من مستخدمي المضيق.
اختيار كلمة «بالتعاون» هنا مهم. فالحلول السابقة كانت تنطلق غالبًا من فكرة ردع إيران أو محاصرتها أو إخراجها من ترتيبات الأمن، مع أن جزءًا كبيرًا من ساحل المضيق يقع تحت سيادتها.
لا يمكن بناء نظام مستدام لحرية الملاحة مع تجاهل الدولة التي تشرف على أحد ضفتي الممر. قد تنجح القوة العسكرية في حماية سفينة أو قافلة مدة محدودة، لكنها لا تنشئ استقرارًا دائمًا.
والأمر نفسه ينطبق على باب المندب والبحر الأحمر، وهي النقطة التي ينبغي أن تستوقف اليمنيين تحديدًا.
أعادت أزمة هرمز التذكير بأن الممرات البحرية في المنطقة مترابطة. فالسفينة التي تعبر هرمز ستنتقل إلى بحر العرب وخليج عدن ثم باب المندب والبحر الأحمر. لا يمكن تأمين جزء من هذا الطريق وترك بقية أجزائه للحروب والانهيار.
لكن العالم يتذكر اليمن غالبًا حين تتعرض الملاحة للخطر. عندما يموت اليمنيون أو تنهار مؤسساتهم، تصبح المسألة «أزمة إنسانية معقدة». وعندما ترتفع أسعار التأمين على السفن، يتحول اليمن فجأة إلى ملف يهدد الأمن الدولي.
المضيق مهم، أما الدولة المطلة عليه فمؤجلة.
الموانئ مهمة، أما المدن والقرى المحيطة بها فيمكن أن تنتظر.
تمر السفن محملة بالبضائع، بينما يعيش السكان على الساحل من دون رواتب أو كهرباء أو خدمات، ثم يُطلب منهم أن يكونوا حراسًا دائمين للتجارة العالمية.
لا يمكن أن يبقى اليمن فراغًا جغرافيًا تُدار فوقه صراعات الآخرين. وأي حديث جاد عن أمن باب المندب يجب أن يبدأ بإعادة بناء الدولة وإنهاء الحرب، لا بإرسال مزيد من القطع البحرية إلى الشواطئ اليمنية.
ترتبط أهمية مقال معالي السيد بدر البوسعيدي بأنه لا ينظر إلى هرمز وباب المندب بوصفهما جزءًا من فضاء إقليمي واحد يحتاج إلى قواعد سياسية وقانونية واضحة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن حماية الممرات البحرية مع تجاهل الحروب على ضفافها ليست سوى معالجة مؤقتة. قد تنجح القوات الدولية في منع هجوم هنا أو مرافقة سفينة هناك، لكنها لن تعالج الأسباب التي تجعل البحر كله عرضة للاشتعال.
هل يمكن أن تتحول أفكار الوزير العُماني إلى سياسة خليجية؟
ليس ذلك سهلًا. وراء النظام الأمني القديم مصالح ضخمة لا تتغير بمجرد نشر مقال. هناك شركات سلاح، واتفاقات طويلة الأجل، وقواعد عسكرية، ونخب سياسية وأمنية ارتبط نفوذها بالعلاقة مع واشنطن وبفكرة الخطر الإيراني الدائم.
بقاء التوتر يخدم أطرافًا كثيرة. فهو يبرر استمرار القواعد، ويرفع مبيعات السلاح، ويمنح القوى الخارجية قدرة أكبر على التأثير، ويحول دول المنطقة إلى زبائن دائمين لمنظومات الحماية.
أما قيام تفاهم إقليمي حقيقي، فيهدد هذه الصناعة كلها.
لهذا قد يكون من الأسهل تجاهل كلام معالي وزير الخارجية العماني السيد البوسعيدي أو التعامل معه باعتباره وجهة نظر عُمانية خاصة. غير أن الأسئلة التي أثارها لن تختفي.
ما جدوى إنفاق مئات المليارات على الدفاع إذا بقي قرار الحرب في مكان آخر؟
ما قيمة التحالف إذا كان الحليف يستطيع إشعال مواجهة تعرّضك للخطر من دون موافقتك؟
هل يمكن بناء أمن الخليج مع استبعاد إيران والعراق؟
وهل تستطيع المنطقة الاستمرار في استيراد أمنها من القوى نفسها التي تسهم قراراتها في زعزعته؟
ليست قيمة مقال معالي السيد بدر البوسعيدي في أنه كشف معلومات مجهولة. كثير مما قاله معروف، ويُناقش منذ سنوات خلف الأبواب المغلقة. المختلف أنه قاله علنًا، وهو ما يزال في منصبه، وباسمه وصفته الرسمية، ومن خلال صحيفة غربية واسعة التأثير.
المسؤول العربي يكتشف الصراحة غالبًا بعد مغادرة المنصب. يتحدث عن الضغوط والأخطاء والقرارات التي لم يكن مقتنعًا بها، بعدما يصبح كلامه جزءًا من الذكريات.
أما الوزير العُماني فتحدث الآن.
قال إن الاحتواء كان وهمًا، وإن الحرب لم تكن ضرورية، وإن تل أبيب مصدر تهديد، وإن العلاقة مع الولايات المتحدة تحتاج إلى مراجعة، وإن أمن الخليج لا يمكن أن يستبعد إيران والعراق، وإن هرمز وباب المندب يحتاجان إلى ترتيبات قانونية وسياسية، لا إلى مزيد من العسكرة.
قد لا يعجب هذا الكلام واشنطن، وقد يزعج تل أبيب، وربما يثير تحفظات في بعض العواصم الخليجية. لكنه يضع النقاش في مكانه الصحيح: أمن المنطقة يجب أن تحدده دولها، لا أن يكون نتيجة جانبية لاستراتيجيات القوى الخارجية.
ربما يكون هذا أول صوت رسمي خليجي يقول، بهذا الوضوح، إن المشكلة ليست دائمًا في العدو الذي عرّفته واشنطن، وإن الحليف نفسه قد يكون هو الخطر حين يقرر عنك، ويحارب فوق أرضك، ثم يبيعك الحماية من نتائج حربه.
لم يصرخ وزير الخارجية العماني
لم يحتج إلى ذلك.
قال كلامه بهدوء عُماني، وتركه فوق الطاولة.
والكلمات الهادئة، حين تكون صحيحة، تصنع ضجيجًا لا تقدر عليه الخطب.


