من قلب رواية رجال من عوالم مختلفة

أمير السقطري
من قلب رواية رجال من عوالم مختلفة للكاتب د. فهد كفاين .. هناك لحظات في القراءة لا تمرّ… بل تأخذك. وهذا المشهد بين سليمان وزهرة هو واحد من تلك اللحظات الت...
هناك لحظات في القراءة لا تمرّ… بل تأخذك.
وهذا المشهد بين سليمان وزهرة هو واحد من تلك اللحظات التي لا تعبر فوق القلب، بل تستقر داخله كأنها وحي مفاجئ.
منذ أن يجلس الاثنان في تلك المراعي البعيدة، تبدأ الرواية بفتح بوابة سرية لا يدخلها إلا القارئ الذي يريد أن يرى وراء الكلمات.
فالعلاقة بينهما ليست علاقة شخصين التقيا صدفة… بل علاقة عالمين يحاولان فهم بعضهما، روحان تعرفتا قبل أن يتعرف الجسد، وحنين مباغت لا تفسير له إلا أنه هكذا خُلِق:
غامض، مثير، مشحون بشيء يشبه القدر.
الطبيعة في هذا المشهد ليست خلفية مطروحة وراء الشخصيات… بل كيان هائل يقف بينهما، يراقب، يبارك، ويفتح أسراره على مهل.
حين تكشف زهرة لسليمان الينابيع المخفية وممرات الجبال السرية، فهي لا تكشف له جغرافيا… بل تكشف له جغرافية قلبها، وتسمح له بالدخول إلى منطقة لا يدخلها إلا من تثق به الروح.
وهنا يحدث الانقلاب الكبير…
حين يهمس الخوف في صدر سليمان:
ماذا لو عرفت زهرة العالم الذي جئت منه؟
وماذا لو عرفت أنه ليس ابن زمنها ولا ابن قرنها؟
لكن زهرة، بنبرة لا تُنسى، تقول له تلك العبارة التي تُطفئ نصف أوجاع الإنسان:
"أيا كان ماضيك… أيا كانت أسرارك… سأشعر بأسرارك معك كما أنت الآن."
يا لها من جملة!
كأنها تعاويذ تطرد الخوف، وكأنها شجرة دم الأخوين وهي تحمي ظلّها.
إنها ليست كلمة قبول…
بل كلمة تحرير.
تحرير من الماضي، من الخوف، من الظهور بغير ما نحن عليه.
حينها ترتجف العيون…
ذلك البريق الذي يرسمه الكاتب بدقة شاعر يعود من قرون قديمة.
لمعان لا يشبه دموع البشر العاديين، بل يشبه انبثاق سرّين التقيا في اللحظة نفسها:
سرّ يخرج، وسرّ يُحتضن.
وفي تلك النظرة التي تعبر بين سليمان وزهرة، يدرك القارئ أن الكاتب لا يروي قصة لقاء…
بل يروي اصطدام زمنين، واعترافاً خافتاً بأن الإنسان يمكن أن يأتي من عالم آخر… ومع ذلك يجد من يفهمه دون أن يسأله سؤالًا واحدًا.
هذه اللحظة ليست مجرد تفاصيل في الرواية؛
إنها لحظة تُشبه النصل الذي يشقّ الزمن، أو كوكبًا يقترب فجأة من مدار الأرض دون تفسير.
إنها اللحظة التي تؤكد أن رواية رجال من عوالم مختلفة ليست رواية تُقرأ…
بل رواية تُختَبَر، تُعاش، وتترك شيئاً يشبه الرجفة في أعماق القارئ.
وللحديث عن الرواية بقية....


