icons
البث المباشر

آخر الأخبار

عن كورونا المصاب بال"يمن" !

الإثنين, 10 أغسطس, 2020

الحالة الأولى التي تم تسجيلها في حضرموت شكلت النقطة التي تحول معها غالبية اليمنيين ، مؤقتا ، إلى التصور الجدي والعقلاني لمشكلة كورونا . قبل ذلك ، كان الفايروس شيئا خاصا بالشاشات ، أقرب إلى فيلم خيال علمي ، وحتى لو كان حقيقة فهو إحدى تلك الحقائق الخاصة بالعالم المتقدم جدا ، العالم الحاد الإدراك والشديد الفضول ، والذي قد بلغ من الحضارة مستوى يجعله  يتصادم مع الكارثة الجديدة رأسا لرأس ، في حين أن اليمن يمكن أن يعبر من بين أقدام كورونا دون أن يشعر أو يفطن أحدهما لوجود الآخر . 


هذا التصور ناشئ عن عقيدة راسخة لدى اليمنيين ، تجعلهم يشعرون بما يشبه اليقين أن بلادهم هي استثناء لا تسري عليه قواعد هذا العالم ، وهذا الشعور ربما يكون نتاج عوامل عديدة ومعقدة ، ولكنه من دون شك على علاقة وثيقة بتعثر اليمنيين في مشوار التحديث الذي كان من المفترض أن يبدأ بتأسيس الدولة الحديثة التي بدورها ستقوم بتعزيز القيم العقلانية وإنتاجها عبر مؤسساتها  ثم تأصيلها في ثقافة الشعب .

بعد أن تعافت تلك الحالة دون أن يتم تسجيل أي حالة أخرى في الأثناء ، عاد اليمنيون مجددا ل "عقيدة الاستثناء" التي تسيطر على وجدانهم ، وكان هناك الكثير من التهكم حول الفايروس الذي حاول ابتلاع اليمن فاختنق بأول لقمة ، وأصابت الحيرة أحد جيراني المهووسين بكرة القدم وهو يلاحظ التشابه بين الإصابة الوحيدة بكورونا التي سجلها اليمن من جهة ، والنقطة الوحيدة التي أصبحت الحصيلة الروتينية لمشاركات منتخبنا اليمني في كأس الخليج من جهة أخرى !

في الفترة الأخيرة ، شهدت محافظات يمنية عدة تسجيلا مضطردا لحالات إصابة وحالات وفاة ، وأبدى اليمنيون مجددا استعدادا للشك في عقيدة "الإستثناء" مع توقعات وتحذيرات بأن تأخذ الكارثة منحى دراميا وأن تكون الضربة القاصمة فوق ظهر هذا الشعب المنحوس ؛ لكن سير الأمور بعد ذلك لم يتطابق تماما مع التوقعات ، وأخذ معدل الحالات المسجلة  ينخفض ، وبدأت نبرة التحذير تخفت ، ثم ها هو اليمني يبتسم ساخرا من نفسه ، مستغربا كيف انطلت عليه الحيلة وصدق أن غازيا بيولوجيا يمكن أن يقيم القيامة في بلده الإستثنائي الذي إما أن تكون القيامة قد قامت عليه مسبقا أو أنها مستحيلة القيام على ترابه لظروف خاصة !

 الفضاء اليمني العام حافل بالمفارقات التي تدعم الاستسلام لمثل هذا الاتجاه الذهني - الاتجاه لنفي اليمن من العالم بمنطقه وأنظمته وقواعده ونفي كل هذا من اليمن -، فالفرد هنا يواجه كورونا على خلفية عامة شديدة الفوضى والتناقض  : هناك رئيس شرعي لا يحكم ، وتحالف اقليمي يسعى لتمكينه من الحكم من خلال احتجازه قيد الإقامة الجبرية ، وهناك من ينشد الاستقلال في الجنوب عبر توسيع العمالة والتضييق على العمال ، وهناك الجمهورية المستنجدة بالملكيات لإنقاذها من الملكية ، وهناك الثورة التي منحت الحصانة لقاتلها،  وهناك الديكتاتور الذي منح السلاح لقاتله ، وفوق كل ذلك ، هناك الحرب  التي تتناسل وتزداد خصوبة كلما بهت لونها  وتقادم بها الزمن .

وهكذا ، بمجرد أن حشر نفسه في حياة اليمنيين ، صار كورونا موضع شك وتشكيك وأصيب بعدوى انعدام الوضوح حيث فقد ملامحه التي كانت له خارج الحدود ، وأصبح شيئا قابلا للتأكيد بقدر ما هو قابل للنفي في الجدل اليومي ، ويبدو أنه في طريقه ليصبح ظلا إضافيا قلقا ومقلقا مثله مثل الحرب الجارية والرئيس هادي والمبعوث الأممي والسفينة "صافر" وأشياء أخرى كثيرة .

المقال خاص بموقع المهرية نت 

المزيد من يعقوب العتواني