تعنتر فوقع بشر أعماله

أحمد ناصر حميدان
كانت عدن حلمًا للمغتربين عن أوطانهم، بحثًا عن العلم والعمل والحياة الكريمة والتعايش والسلام. كانت مدينة يمكن للأحلام أن تصبح فيها حقيقة، يحكمها النظام والقانون،...
فيها يصبح العسكري منضبطًا وفي خدمة الوطن والمواطن، مسؤولًا عن تطبيق القوانين وتنفيذ القرارات الصادرة من مؤسسات الدولة المتعافية من الفساد والمحسوبية والجهل والعصبية، والتخندق للأيديولوجيات المذمومة.
بعد الاستقلال، شهدت عدن تغيرات سلبية حولت حلم الاغتراب إليها إلى اغتراب عنها. والاغتراب ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو رحلة للبحث عن الاستقرار الذاتي والهروب من وطن يفقد الإنسان فيه كل أحلامه.
فهاجرها السياسيون بعد أن سيطر عليها التعصب الأيديولوجي المذموم الذي لم يترك لهم مجالًا للشراكة السياسية، وهاجرتها العقول بعد أن ضاقت مساحة الحرية والتفكير، ولم يعد للعقل مكان في ظل تسيد العنف والبندقية والشعارات المتعصبة.
وما تبقى فيها لم يكن أمامهم سوى محاولة الاندماج مع الواقع، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الحزب، والحزب هو الدولة التي ركزت كل اهتماماتها في التصدي للمؤامرات والأعداء.
هذه استراتيجية تجعل القلق الأمني في أولويات العمل، وبالتالي يصبح الأمر بيد العسكر، مما يدفع إلى عسكرة الحياة. فلكي تبني مصنعًا، على السلطة أن تبني أولًا سياجًا أمنيًا يحمي هذا المصنع، وبالتالي يصبح الوطن معسكرًا كبيرًا يديره القلق الأمني.
وهو القلق الناتج عن رعب سقوط الأيديولوجيا، قلق تُبنى عليه كل أمور الحياة والنشء، فيجد الإنسان نفسه يتأدلج بفكرة الاستبداد والقهر: "إذا لم تصدق بوجودي فلك عذاب أليم، وإن صدقت بي وسلطتي فلك كل المزايا والنعم".
في مشهد غريب وقمعي لحرية الفكر والاعتقاد، فإن الخضوع للأيديولوجيا والاعتقاد رغمًا عنك هو ما أنتج لنا هذه الوحوش التي ترفض الآخر، وتدير معارك القمع الفكري والثقافي، وتعزز استمرار حالة الاستبداد والاضطهاد.
وهذا ما يدفع لعسكرة الحياة واختيار أدوات غير مهنية في هذه العسكرة، ليؤكد أبيات أبي الأحرار محمد محمود الزبيري: "العسكري بليد للأذى فطن... كأن إبليس للطغيان رباه".
وما زالت هياكل القوات العسكرية لليوم تُبنى على أسس الولاء والمنطقة والقبيلة، لتكون حماة السلطة ورموزها، لا حماة وطن مواطن.
لم أكن مستغربًا مما حدث ويحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان وحقوق المواطنة في عدن. فالقوات التي تسيطر على عدن هي قوات وجدت من أجل تعزيز سلطة الاستبداد والهيمنة، بل معظمها مؤدلج لفكرة رفض الآخر، وأن وجودها هو لاجتثاث الآخر المختلف، وبالتالي اجتثاث التنوع. مما يعكر صفو الحياة السياسية والاجتماعية، ويعزز الكراهية للآخر، ويرسخ المناطقية والعنصرية.
كان المشهد واضحًا منذ أول خطاب عنتري ضد الآخر. ثم شهدنا ممارسات غير مستحبة، كاستهداف البسطاء من الشماليين، عمال كانت عدن مصدر رزقهم منذ عقود، نهضوا بعدن ونهضت بهم، في معادلة إنسانية أحدثت تطورًا اقتصاديًا ورقيًا اجتماعيًا وتعايشًا وتسامحًا واستقرارًا، وشراكة حقيقية مبنية على أسس الكفاءة والاقتدار والمهنية.
هذه المعادلة انهارت بانهيار القيم وأخلاقيات التعامل الإنساني، واجتثاث الآخر والتنوع الفكري والثقافي والعرقي والديني.
فمن كان عنترًا أمام بسطاء عزل، عمال باحثين عن الرزق، تعنتر حتى وقع بالفخ مع قبائله وعشائره. هم اليوم من مسهم الضر من عنتريته وقمعه، فصرخوا رفضًا لممارساته، فاستهدفهم، ووقع في شر أعماله. وللقدر مآلاته، وانتقامًا لضحاياه من العزل والمسالمين الذين تعنتر عليهم واتهمهم بتهم "خلايا نائمة" و"إرهاب" و"تآمر"، هو اليوم يشرب من نفس الكأس، متهمًا بارتكاب جرائم في حق قبيلته وعشيرته. إنه القدر، والله يمهل ولا يهمل.
*المقال خاص بالمهرية نت


