آخر الأخبار

بين المبادئ والممارسات: كيف نحمي القيم من التناقض؟

أحمد ناصر حميدان

أحمد ناصر حميدان

 
شارك الخبر:

لا تُقاس قيمة المبادئ بما تحظى به من حضور في الخطابات والشعارات فحسب، بل بمدى انعكاسها على سلوك الأفراد وممارساتهم اليومية. فثمة فرق بين أن يتبنى الإنسان قيمة معينة، وأن ينجح في تجسيدها في مختلف مواقفه...

لا تُقاس قيمة المبادئ بما تحظى به من حضور في الخطابات والشعارات فحسب، بل بمدى انعكاسها على سلوك الأفراد وممارساتهم اليومية. فثمة فرق بين أن يتبنى الإنسان قيمة معينة، وأن ينجح في تجسيدها في مختلف مواقفه، كما أن هناك مسافة بين الصورة التي يقدمها عن نفسه والانطباع الذي تتركه ممارساته لدى الآخرين.

في المجال الديني، على سبيل المثال، قد يحرص الإنسان على إظهار التزامه بالشعائر، ويشارك في إمامة الناس ووعظهم وإرشادهم، لكنه قد يقع، في بعض المواقف، في الغلظة أو التعنت أو التمييز في تعامله مع الآخرين. ولا يعني ذلك أن المظهر الديني دليل على التناقض، أو أن الخطأ في السلوك يلغي بالضرورة صدق التدين، وإنما يعني أن الالتزام الديني، إلى جانب مظاهره التعبدية، يظل بحاجة إلى ترجمة أخلاقية تظهر في العدل والرحمة والتواضع واحترام كرامة الإنسان. فالمعيار هنا ليس المظهر وحده، بل مدى الاتساق بين ما يعلنه المرء من قيم وما يسعى إلى تطبيقه في حياته.

وينطبق مبدأ الاتساق ذاته على العمل السياسي والوطني. فمن حق الأفراد والجماعات تبني رؤى مختلفة لمستقبل بلادهم، سواء تعلقت بالوحدة أو الانفصال أو الدولة الاتحادية، ومن الطبيعي أن تختلف تصوراتهم ومبرراتهم بشأن هذه الخيارات. غير أن الدفاع عن أي مشروع سياسي يقتضي قدرا من الالتزام بالقيم التي يستند إليها، وبالوسائل التي يختارها أنصاره للتعبير عنه. فمن يدعو إلى دولة القانون، مثلا، يُنتظر منه أن يحترم القانون، ومن يدافع عن المواطنة المتساوية يُنتظر منه أن يرفض التمييز، ومن يطالب بحقوق جماعته يُنتظر منه أن يعترف بحقوق الآخرين أيضا.

ولا يعني ذلك أن كل خطأ يرتكبه أحد أنصار مشروع سياسي يعبّر بالضرورة عن المشروع بأكمله، أو أن سلوك فرد واحد يكفي للحكم على جماعة أو تيار أو قضية. فالإنصاف يقتضي التمييز بين الفكرة وممثليها، وبين المبادئ المعلنة والممارسات الفردية، وبين الأخطاء العابرة والسلوكيات المتكررة التي قد تكشف عن مشكلة أعمق. لكن هذا التمييز لا يعفي الأفراد من مسؤولية أفعالهم، ولا يمنع مساءلة القيادات والتيارات عن الممارسات التي تتبناها أو تبررها أو تتساهل معها.

فالعلم الذي يرفعه الإنسان، والشعار الذي يدافع عنه، والموقع الذي يتحدث منه، كلها أمور تسهم في تشكيل الصورة العامة للقضية التي يمثلها، ولو بصورة جزئية. وحين يتناقض سلوكه باستمرار مع المبادئ التي يعلنها، فإنه قد يضعف الثقة في خطابه، ويمنح منتقدي مشروعه أسبابا للتشكيك في صدقيته. وفي المقابل، فإن الممارسة المنضبطة والعادلة تساعد على تعزيز الثقة، حتى بين من لا يتفقون مع المشروع نفسه.

وتبرز أهمية هذه المسألة حين يتحول الانتماء الديني أو السياسي إلى شعور بالاستعلاء على الآخرين، أو حين يعتقد بعض الأفراد أن اقتناعهم بصواب موقفهم يمنحهم حق الانتقاص من مخالفيهم. فالثقة بالموقف لا تستلزم ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، والدفاع عن قضية لا يبرر إهانة المختلفين معها. كما أن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة جماعية، بل يجب أن يستند إلى أفعال محددة وأدلة واضحة، مع مراعاة الفروق بين الأشخاص والمواقف والسياقات.

ومن المهم، في هذا السياق، ألا نجعل من المظهر وحده أساسا للحكم، ولا من الانتماء معيارا لتحديد قيمة الإنسان. فكما لا يصح افتراض أن كل من يظهر التدين يتصف بالفضيلة في جميع مواقفه، لا يصح أيضا افتراض أن المظهر الديني يخفي بالضرورة سلوكا سيئا. وكذلك لا يجوز اختزال مشروع سياسي كامل في تصرفات بعض أنصاره، كما لا ينبغي تجاهل الممارسات المتكررة التي تتعارض مع مبادئه بحجة أن أصحابها لا يمثلونه تمثيلا كاملا.

إن الوعي المجتمعي الناضج يقوم على الجمع بين الإنصاف والمساءلة: الإنصاف في عدم التعميم أو إصدار الأحكام المتسرعة، والمساءلة في عدم إعفاء أحد من نقد سلوكه لمجرد أنه ينتسب إلى الدين أو يحمل قضية وطنية أو يتبنى مشروعا سياسيا. وبهذا يصبح النقاش أكثر جدية، وتتحول الاختلافات من أسباب للخصومة والإقصاء إلى فرص لمراجعة المواقف وتحسين الممارسات.

في النهاية، لا يُطلب من الإنسان أن يكون خاليا من الخطأ حتى يكون صادقا في مبادئه، وإنما يُنتظر منه أن يدرك مسؤوليته تجاه ما يعلنه، وأن يراجع سلوكه حين يتعارض معه، وأن يتعامل مع النقد بوصفه فرصة للتصحيح لا تهديدا لمكانته. فالمصداقية لا تعني التطابق الكامل بين القول والفعل في كل لحظة، لكنها تتطلب سعيا مستمرا إلى تقليص الفجوة بينهما.

إن المجتمعات لا تحتاج إلى الاتفاق على جميع المعتقدات والمشاريع بقدر حاجتها إلى معايير مشتركة تحكم الاختلاف بينها: احترام الإنسان، ورفض التمييز، والالتزام بالعدل، وقبول النقد، وتحمل المسؤولية. وعندها يصبح تقييم الأشخاص والمشاريع أكثر إنصافا، وتغدو المبادئ معيارا لتوجيه السلوك ومراجعته، لا مجرد شعارات تُرفع في الخطابات.

المصدر: المهرية نت

تابعنا على :