تحقيق أممي: الإمارات استعانت بمرتزقة كولومبيين للقتال في السودان

كشف تحقيق أممي عن استعانة دولة الإمارات بمرتزقة كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، في تطور يسلط الضوء على دور أبوظبي في الحرب الدائرة بالبلاد منذ عام 2023.
ووفقاً لتقرير سري رفعه محققون أمميون إلى مجلس الأمن الأسبوع الماضي، وحصلت صحيفة «نيويورك تايمز» على نسخة منه، تولت شركة أمنية إماراتية نقل المرتزقة الكولومبيين إلى السودان، عبر مناطق في ليبيا والصومال تخضع لسيطرة حلفاء للإمارات.
ويقدم التقرير، بحسب الصحيفة، أكثر التوثيقات الأممية تفصيلاً حتى الآن بشأن الدور الإماراتي في الحرب السودانية، وسط اتهامات لأبوظبي بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة والطائرات المسيّرة والمقاتلين الأجانب، بما أسهم في تأجيج صراع أودى بحياة مئات الآلاف.
وتأتي هذه النتائج في وقت تواجه فيه الإمارات تدقيقاً متزايداً بشأن سجلها في السودان، بالتزامن مع ترشح لانا زكي نسيبة، إحدى أبرز دبلوماسييها، لمنصب الأمين العام المقبل للأمم المتحدة، بعدما قادت لسنوات جهود أبوظبي لنفي الاتهامات الموجهة إليها بشأن دعم قوات الدعم السريع.
ونسيبة، البالغة 48 عاماً، خريجة جامعة كامبريدج وذات أصول فلسطينية، مثلت الإمارات لدى الأمم المتحدة لأكثر من عقد، قبل عودتها إلى بلادها عام 2024، حيث عُينت وزيرة دولة للشؤون الخارجية في العام التالي.
ومع دخولها السباق على قيادة الأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أثار ترشحها تساؤلات بشأن دورها السابق في التعامل مع ملف السودان، خصوصاً في ظل اتهامات لها بمحاولة إنكار أو التقليل من الأدلة التي تشير إلى دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة، في خرق لحظر الأسلحة المفروض أممياً.
كما يرى منتقدون أن نسيبة سعت إلى الحد من الرقابة الأممية على السياسات الإماراتية في عدد من الدول العربية، وأعاقت في بعض الأحيان عمل لجان التحقيق المعنية برصد انتهاكات وخرق قرارات حظر السلاح.
وقال برونو ستاغنو أوجارتي، المسؤول في منظمة هيومن رايتس ووتش، إن نسيبة أمضت أكثر من عقد في مناصب حكومية إماراتية، مارست خلالها، بحسب تعبيره، «تبييضاً متكرراً» لدور بلادها في اليمن والسودان، وقدمت أبوظبي باعتبارها طرفاً إنسانياً، في حين تجاهلت أو حجبت الأدلة المتزايدة بشأن دورها في تأجيج الانتهاكات.
وأضاف أن ترشحها يثير تساؤلات بشأن مدى استعدادها للدفاع عن استقلال الأمم المتحدة ونزاهتها وآليات التحقيق التابعة لها، بما في ذلك الآليات التي تكشف انتهاكات الإمارات.
في المقابل، نفى متحدث باسم الحكومة الإماراتية دعم بلاده لأي طرف في الحرب السودانية أو سعيها إلى تقويض التحقيقات الأممية. كما أبلغت أبوظبي الأمم المتحدة، في بيان منفصل، أن الشركة الأمنية الوارد اسمها في التقرير لم تنشر مرتزقة في السودان ولم تخالف أي قانون إماراتي.
وقالت نسيبة، في رسالة عبر البريد الإلكتروني، إن إنهاء «الصراع المروع» في السودان سيكون أولوية لها إذا تولت منصب الأمين العام، متعهدة بالتحرك ضد أي قوة خارجية يثبت للمحققين الأمميين أنها تسهم في تأجيج الحرب، والتعامل مع الدولة المعنية. وأضافت أن السودان سيكون «اختباراً حقيقياً للأمين العام القادم».
وتولت نسيبة الواجهة الدبلوماسية الإماراتية في ملف السودان منذ اندلاع الحرب عام 2023، فيما واجهت أبوظبي اتهامات متكررة بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، شمل الأسلحة والطائرات المسيّرة والمساعدات اللوجستية.
وفي عام 2024، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن تشغيل الإمارات طائرات مسيّرة صينية متطورة من قاعدة في تشاد، تحت غطاء عمليات الهلال الأحمر، في إطار الدعم المقدم لقوات الدعم السريع.
ورغم إسهام دول أخرى، بينها روسيا وإيران وتركيا وأوكرانيا، في تغذية الحرب عبر إرسال الأسلحة أو بيعها للجيش السوداني، فإن الصحيفة تقول إن الدور الإماراتي كان الأكثر محورية، مستنداً إلى موارد أبوظبي وعلاقاتها بحلفاء إقليميين، بينهم إثيوبيا وتشاد، لدعم قوات الدعم السريع.
وكثيراً ما نفت نسيبة في مقابلات صحفية تقديم بلادها أي دعم عسكري للقوات، وقالت لشبكة «سي إن إن» عام 2024 إن هذه الاتهامات «غير صحيحة جملة وتفصيلاً»، مؤكدة أن المساعدات الإماراتية اقتصرت على الجانب الإنساني.
وبحسب مسؤولين أميركيين سابقين، مارست نسيبة ضغوطاً دبلوماسية هادئة على حلفاء أجانب لدعم الموقف الإماراتي المعلن بشأن الحياد في السودان. غير أنها تجنبت، حتى خلال الاجتماعات المغلقة، تقديم توضيحات بشأن دور بلادها، ما عرقل جهوداً دبلوماسية مباشرة لإنهاء الصراع عبر التفاوض، وفقاً للمسؤولين.
وفي عام 2024، ألغت الإمارات اجتماعات كانت مقررة مع وزراء بريطانيين كبار، احتجاجاً على ما اعتبره قادتها عدم دفاع لندن عن أبوظبي خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن السودان، وفقاً لمسؤول أميركي سابق رفيع المستوى تحدث للصحيفة شريطة عدم الكشف عن هويته.
المرتزقة الكولومبيون في السودان
وركزت التحقيقات بشأن الدور الإماراتي مؤخراً على مجموعة تُعرف باسم «ذئاب الصحراء»، تضم مرتزقة كولومبيين جرى استئجارهم للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
ووثقت وسائل إعلام ومنظمات حقوقية مشاركة هؤلاء المرتزقة في تشغيل الطائرات المسيّرة وتدريب المقاتلين وتقديم الدعم المدفعي، خلال حصار قوات الدعم السريع مدينة الفاشر السودانية العام الماضي، في واحدة من أكثر محطات الحرب دموية.
وكانت الإمارات قد واجهت اتهامات أممية مماثلة في وقت سابق من العام الجاري، بعدما رفعت لجنة الخبراء المكلفة بمراقبة حظر الأسلحة على إقليم دارفور تقريراً مفصلاً إلى مجلس الأمن في يوليو/تموز، أكدت فيه أن «الإمارات دعمت قوات الدعم السريع من خلال توفير المرتزقة».
وأشار التقرير إلى أن المرتزقة الكولومبيين تلقوا تدريبات في قاعدتين عسكريتين داخل أبوظبي قبل إرسالهم إلى السودان.
لكن التقرير لم يُنشر، بعدما اعترضت البحرين، التي كانت تشغل حينها مقعداً غير دائم في مجلس الأمن، على إتاحته للعلن، وفقاً لمسؤول أممي رفيع ودبلوماسي إقليمي تحدثا للصحيفة شريطة عدم الكشف عن هويتيهما. وقال المصدران إن البحرين تصرفت بناءً على طلب إماراتي.
ونفى متحدث باسم الإمارات أن تكون بلاده مارست أي تأثير على أعضاء مجلس الأمن، فيما لم ترد وزارة الخارجية البحرينية على طلبات التعليق.
أما التقرير الأممي الأحدث، الذي رُفع إلى مجلس الأمن يوم الجمعة، فيشير إلى أن المرتزقة استُؤجروا عبر شركة «مجموعة خدمات الأمن العالمي»، وهي شركة أمنية خاصة تتخذ من أبوظبي مقراً لها، وتربطها صلات سياسية وتجارية وعائلية وثيقة بشخصيات بارزة في الأسرة الحاكمة الإماراتية.
وتُظهر السجلات أن الشركة أسسها مسؤول رفيع في الرئاسة الإماراتية، فيما تصف نفسها عبر موقعها الإلكتروني بأنها «مزود الأمن المفضل» لوزارتي الخارجية وشؤون الرئاسة الإماراتيتين.
ويرى محللون أن تصاعد التدقيق في سجل نسيبة بشأن السودان قد ينعكس على حملتها لمنصب الأمين العام، فيما أظهر استطلاع استكشافي حديث شمل ثمانية مرشحين حلولها في منتصف القائمة.
وقال كاميرون هدسون، المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية والمدير السابق للشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي الأميركي، إن استمرار الإمارات في نفي دعم قوات الدعم السريع يجعل آليات التحقيق الأممية التي تسعى نسيبة إلى قيادتها «مادة للسخرية».
وأضاف أن نسيبة أدت دوراً بارزاً في حجب مساهمة حكومتها في الفظائع المرتكبة بالسودان، معتبراً أن ذلك ينبغي أن يستبعدها من أي ترشيح للمنصب.
اتهامات سابقة بشأن اليمن وليبيا
ولا تقتصر الاتهامات المتعلقة بمحاولات الإمارات الحد من الرقابة الأممية على ملف السودان؛ إذ أشارت الصحيفة إلى تحركات إماراتية سابقة في ملفات اليمن وليبيا.
ففي عام 2011، مارست الإمارات، بالتعاون مع السعودية، ضغوطاً أدت إلى إغلاق لجنة تحقيق أممية كانت ترفع تقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، حيث كانت القوات الإماراتية منتشرة.
وفي عام 2016، تواصلت نسيبة مع مسؤولين إماراتيين بشأن اتهامات أممية لبلادها بتزويد القائد العسكري الليبي خليفة حفتر بالأسلحة، في انتهاك لحظر السلاح المفروض على ليبيا.
وكشفت مراسلات بريد إلكتروني أُرسلت بالخطأ إلى الأمم المتحدة عن رسالة من مسؤول إماراتي إلى نسيبة جاء فيها: «الحقيقة الجلية هي أن الإمارات خرقت قرار مجلس الأمن بشأن ليبيا وتواصل القيام بذلك».
وكانت الأمم المتحدة قد نشرت عدداً من تلك المراسلات بعد حجب اسم المسؤول، لكن «نيويورك تايمز» قالت إنها حصلت هذا الأسبوع على نسخة غير منقحة كشفت هويته، وهو أحمد القاسمي، الدبلوماسي الذي عمل مع نسيبة في البعثة الإماراتية بنيويورك.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قادت نسيبة جهوداً إماراتية للتأثير على أعضاء البرلمان الأوروبي بشأن قرار مرتقب يدين الفظائع المرتكبة في السودان، وفقاً لما أوردته صحيفة «بوليتيكو». وأقر البرلمان القرار لاحقاً من دون الإشارة إلى الإمارات.
المصدر: نيويورك تايمز





